صوم نينوى
قرى آشورية مشاريع حكم ذاتي مواقع الكترونية رياضة كتب فنون الأعلام الاشوريون فولكلور آشوري التاريخ الاشوري مقابلات وثائق مقالات الصفحة الرئيسية
 

صوم نينوى

 

أبرم شبيرا

لآشك فيه بأن الآشوريين يعروفون ويسمعون عن الكثير من الممارسات التراثية العريقة بل ويشاركون في إحيائها بعضها، مثل باعوثا دننوايه (صوم نينوى أو النينويين) والأول من نيسان رأس السنة البابلية الآشورية وعيد نسردل (عيد الرشاش) وغيرها من المناسبات التراثية التي تشكل جزءاً مهما من مكوناتهم القومية. لهذا فالكتابة عنها تعد أمراً قد لا يثير إهتماما كبيرا لديهم ما لم تستكشف جوانب جديدة وتحليلات مختلفة ومقارنات بين كل مرحلة من مراحل التاريخ التي إجتازت هذه الممارسات ووصلت إلى العصر الراهن. أما بالنسبة لغير الآشوريين فالأمر يختلف كلياً حيث بالكاد يعرفون أو لا يعرفون إطلاقاً شيئاً عن هذه الممارسات التراثية وعمقها التاريخي وتواصلها الدائم حتى هذا العصر فيكون هذا الجهل المقصود إو غير المقصود عاملاً في إصابتهم بالعمى التاريخي في معرفة الحقائق وتحليلها بما يستقيم بها العلم والمنطق وبالتالي لا يجدون لهم إلا ملجأً بائساً في نكران الأصل التاريخي للآشوريين وأصالتهم العريقة في وطنهم الأم.

يرتبط آشوريو اليوم أصولهم التاريخية بالآشوريين القدما الذين حكموا بلاد ما بين النهرين في الألف الثاني وحتى منتصف الألف الأول قبل الميلاد بجملة روابط حضارية تاريخية ومعطيات ثقافية تراثية ظلت لصيقة بهم على رغم الفواجع والنكبات التي حلت بهم طيلة تاريخهم المديد. فهذه الروابط والممارسات التراثية تسمتد جذورها من أعماق التاريخ القديم وتمتد إلى مرحلة ما قبل تدوين أحداث العهد القديم من الكتاب المقدس. ولعل الأكثر إثارة وبروزاً من هذه الممارسات التراثية هو (صوم نينوى) الذي تتداخل فيه مجموعة عوامل قومية ودينية تداخلاً مترابطاً يصعب الفصل بينهما وتتعثر مهمة تحديد أصولها القومية المادية وفرزها عن الآصول الدينية الروحية. فخلال ثلاثة أيام من كل سنة، وحتى يومنا هذا يحتفل الآشوريون بهذه المناسبة والمعروفة عندهم بـ (باعوثا دنينوايه) أي صوم أو نذر النينويين. وعادة يصادف في الربع الأول من كل عام وفي هذه السنة 2008 تقدم بعض الشي حسب التقويم الغريغوري لكنيسة المشرق الآشورية وسيصادف في الرابع عشر من هاذا الشهر (كانون الثاني).

قبل الإكتشافات الآثارية التي أزاحت الكثير من الغموض والأسرار عن التاريخ القديم لشعوب الهلال الخصيب وظهور وتطور علم الآشوريات، كانت التوراة المرجع الأساسي والمهم، إن لم تكن الوحيد، لأخبار شعوب هذه المنطقة، خصوصاً الآشوريين والمصريين منهم. وظل ولا يزال تأثيرها كبيراً ومحسوساً في اتجاهات الكثير من الكتاب والمؤرخين الذين عالجوا تواريخ هذه الشعوب. ومن جملة ما ورد في التوراة عن الشعب الآشوري( صوم نينوى) الذي من المتحمل أن يكون قد وقعت أحداثه في القرن الثامن قبل الميلاد وفي مدينة نينوى عاصمة الإمبراطورية الآشورية ودونت قصته في سفرالنبي يونان التوراتي وهو معروف عند الآشوريين بـ (يونان إنويا) وعند العرب بأسم (النبي يونس). وفي مدينة الموصل العراقية (نينوى القديمة) كنيسة قديمة مشيدة عليها جامع يعرف بهذا الأسم ويعتقد بأنه كان معبداً آشورياً قديماً ومن هناك خاطب النبي يونان شعب نينوى في حين تذكر مراجع آخرى بأنه كان دير قديم تابع لكنيسة المشرق المعروفة بـ (النسطورية) شيد من قبل راهب أسمه يونان.

جاء في هذا السفر أن الرب طلب من النبي يونان حمل رسالته إلى بلاد آشور، وهي المملكة التي قامت بتدمير مملكة إسرائيل في حدود العام 722 ق.م. وعندما تسلم يونان الرسالة أبت عليه عواطفه اليهودية أن يحذر مملكة هاجمت إسرائيل ونهبت كنوز معبدها وإستهانت بإلاها (يهوا) من قضاء الله في تدميرها. وبعد سلسلة أحداث وتجارب مريرة يمر بها يونان بما فيها قصة الحوت الذي أبتلعه وبقى في بطه لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليالي ومن ثم لفظه على شاطئ البحر.... أذعن يونان إلى أمر الرب فأنطلق إلى نينوى عاصمة الآشوريين ليبلغ أهلها وملكها سنحاريب (705 – 681 ) ق.م. بقضاء الله. وعندما دخلها بدأ ينادي قائلاً: بعد أربعين يوماً تتدمر المدينة (سفر يونان 3 : 4). فبلغ إنذار يونان ملك نينوى فقام عن عرشه وخلع عنه حلته وأرتدى المسح وجلس وركع على الرماد ثم دعا جميع رعاياه إلى الامتناع عن الأكل والشرب، وكذلك البهائم والغنم والبقر لا ترعى ولا تشرب ماء. وطلب من جميع الناس أن يرتدوا المسوح متضرعين إلى الله تائبين عن طريقهم الشريرة وعما أرتكبوه من ظلم لعل الرب يرجع عن اقتدام سخطه فلا يهلكون ... هكذا كما مدون في سفر يونان ( 3 : 7 : 9). فلما رأى الله أعمالهم وتوبتهم عن طرقهم الآثمة عدل عن العقاب الذي كان مزمعاً أن يوقعه بهم وعفا عنهم ( 3 : 10). وهذا ما سبب غيظ يونان وسخطه الشديدين بسبب كون الله رحيماً رؤوفاً مع الشعب الآشوري وملكه وبطئ الغضب وكثير الإحسان يرجع عن العقاب. لذلك فضل يونان الموت على الحياة (4 : 3 ) لأن الرب لم ينتقم من الآشوريين وملكهم، وهذا يؤكد حقد اليهود على الآشوريين في تلك الأزمنة كذلك يؤكد بشكل قاطع محبة الله لجميع الأمم وتحديداً للآشوريين حسب هذا السفر.

 عندما تمت الإكتشافات الآثارية في المدن الآشورية في القرنين الماضيين وأماطت اللثام عن بعض الغموض الذي كان يكتنف تاريخ الشعب الآشوري وكشفت جانباً من أسرار أو إلتباسات بعض الوقائع التاريخية فإنها أكدت بعض الأحداث التي وردت قصصها في التوراة من جهة ونفت أحداثاً أخرى لا بل وتناقضت أو أختلفت معها من جهة أخرى. وبقدر تعلق الأمر بقصة مجئ يونان إلى نينوى وتبليغ رسالة الرب إلى الآشوريين وتحذيرهم من دمار المدينة العظيمة، كما يوصف ذلك في التوراة، فإن الآثار والرقم الطينية والإسطوانات الكتابية المكتشفة في خرائب نينوى وغيرها من المدن الآشورية والتي تعد أكثر تفصيلاً وتدويناً للأحداث التاريخية ووقائعها من أي آثار أخرى مكتشفة في بلاد ما بين النهرين، خصوصاً حول علاقة الآشوريين وملوكهم باليهود وأنبيائهم، لا تحمل أية إشارة إلى النبي يونان وقدومه إلى نينوى لتبليغ قضاء الرب في تدميرها، في الوقت الذي نعرف بأن فترة حكم الملك سنحاريب أتصفت، إلى جانب التفاصيل الدقيقة عن الحروب التي شنها ضد اليهود وغيرهم من الأقوام، بإنجازات كبيرة وأعمال ضخمة في البناء والتعمير، خصوص في مجال الري وتنظيم السقي والسيطرة على المياة وخزنها وتوزيعها في ظروف بيئية وموسمية مختلفة ومتباينة حيث عرف عن الملك سنحاريب في كونه مهندساً بارعاً في مجال الري وبناء السدود ولايزال آثار بعضها قائماُ في بلاد آشور. فالمنطقة تعرف بغزارة مياها وكثر أنهارها وسيولها الجارفة والتي كانت تفيض في نهاية الشتاء وبداية الربيع وتشح ويجف بعضها في منتصف الصيف وبداية الخريف مما يوحي بأن الفياضانات كانت عاملاً حاسماً في تهديد أستقرار الأوضاع الاقتصادية والإجتماعية والسياسية في بلاد آشور، وهي الظاهرة التي كانت سائدة حتى منتصف الخمسينيات من القرن الماضي حينما لم تكن السدود الحالية وأنظمة الري مبنية في العراق فكان يفيض نهر دجلة وروافده الموسمية ويدمر أجزاء كبير من المدن المطلة عليه مثل الموصل وبغداد. وتؤيد التواريخ الإغريقية بأن سقوط نينوى عام 612 ق.م. لم يكن ممكناً دون فيضان هائج دمر أسوارها العظيمة وهناك إشارة أيضاَ في التوراة إلى طوفان طام يخفي معالم نينوى (ناحوم 8 :1).

تخبرنا التواريخ القديمة بأن الملك سنحاريب قد قام بأعمال بناء ضخمة جداً لضمان قصره ومدينة نينوى من الفيضانات التي كان يسببها نهر الخوصر أو (خو أصر ) ويعنى باللغة الآشورية (عشر أمثال). فهذا الرافد الموسمي من نهردجلة الذي يجتاز من جوانب أسوار نينوى ويصب في نهرت دجلة كان يفيض في مواسم الفيضانات أكثر من حجمه الطبيعي بعشرة أضعاف أو أكثر ويسبب أضراراً جسيمة للبلاد فيجرف البيوت والقرى والمجمعات السكنية القائمة حول النهر ويتلف محاصيلها الزراعية وبالنتيجة يسبب المجاعات وإنتشار الأمراض والأوبئة لا بل ويهدد الأمن والاستقرار الاجتماعي نتيجة هذه الأضرار والفواجع. هناك ملاحظة شخصية بهذا الخصوص يستوجب ذكرها... ففي ربيع من عام 1981 كنت في مدينة الموصل وشاهدت نهر الخوصر الذي يحاذي التلة المغطاة لسور نينوى يفيض فيضاناً هائجاً بحيث كانت مياهه الطينية الكثيفة تغطي جسر النهر وتغلق الطرق المؤدية إليه مسبباً إزدحاماً في السير وإرتباكاً بين الناس ثم سمعت عن مخاوف الناس من أرتفاع أسعار المنتوجات الزراعية أو شحتها فكانوا يضطرون إلى التزاحم على المحلات التجارية لاقتناء حاجياتهم وإختزانها، فتصورا كيف كان الحال قبل أكثر من 2700 سنة والناس لايملكون تكنولوجيا متطورة في السيطرة على مثل هذه الظواهر الطبيعية أو معالجة الحالات الطارئة.

على أساس ما تقدم قد تكون قصة يونان ومجيئه إلى نينوى لتبليغها قضاء الرب في تدميرها متوافقة ومتزامنة مع فيضان وأعصار عصفا بنينوى ومن ثم الجهود العظيمة التي بذلها الملك سنحاريب وأتباعه في السيطرة عليه ومعالجة نتائجه المدمرة. ومن المعروف عن الطبيعة البشرية بأنه عندما يمر الإنسان في أزمات وفواجع أو يتوقع حدوثها فأنه يلجأ الى الممارسات الروحية مثل تقديم القرابين والصوم والصلوات إلى الرب طلباً للنجاة والخلاص من هذه الشرور، خاصة في مجتمعاتنا الشرقية وتحديداً في كنائسنا المشرقية. وللعرب المسلمين أيضاً مثل هذه الممارسة الروحية والمعروفة بـ (صلاة الاستسقاء) والتي تودئ عندما لا تمطر السماء في الشتاء ويتسبب الجفاف وشحة المنتوجات الزرعاية.

 من هنا يمكن القول بأن صوم النينويين وخشوعهم مع ملكهم الجبار إلى الرب طلباً للرحمة والخلاص يأتي ضمن هذا السياق وفي فترة كان فيضان يهدد بلاد آشور والذي تم تدونه في التوراة بما يتوافق مع المنهج التوراتي في تدون الأحداث ومع التقليد اليهودي في تفسير الظواهر الطبيعية التي تفتقر الكثير من المنطق والسياق التاريخي. وفيما يخص هذا الحدث، كيف يعقل أن ملكاً جباراً وشعباً قوياً أن يخضع لنداء أحد أنبياء اليهود والمعروفين تاريخاً بالعداء والكره للآشورين (كما جاء في سفر يونان) ويقبلون دعواته، ثم كيف يعقل أن يكون الآشوريون وثنيين يعبدون الأصنام وفي عين الوقت يخضوع لرسالة الرب. أليس من المنطق القول بأن الآشوريين كانوا في تلك الفترة يعرفون الله، الخالق الأوحد، ويخضعون لمشيئته، كما يؤكد هذا السفر من التوراة وأن عبادة الله ومخافته والتضرع إليه طلباً للشفقة والخلاص لم يكن حكراً على اليهود وحدهم في تلك الأزمنة بل شملت شعوب أخرى ومنها الشعب الآشوري.

بغض النظر عن طبيعة الحدث الذي فرض قوته على الشعب الآشوري وإلزام نفسه بالصوم خشوعاً للرب، فإنه يوكد بما لا يقبل الشك حقيقة تاريخية شكلت في سياقها الزمني وإمتداداتها التاريخية ممارسة طقسية تراثية وقومية دينية أرتبطت بالآشوريين فترة تزيد عن سبعة وعشرين قرناً. فبعد سقوط نينوى في العام 612 ق.م. ومن ثم سقوط آخر كيان سياسي لهم في 605 ق.م. وبعد إنتهاء الحروب وإستقرار الأوضاع باشر الآشوريون والذين كان غالبيتهم من المزراعين في إعادة تعمير المناطق المدمرة وبناء القرى الجديدة قرب مدنهم الكبيرة ومن ثم إستمرار مواصلة ممارسة مهنتهم في الزراعة وبالتالي أستمرار وإحياء الطقوس الدينية والتراثية من جديد. وهناك دلائل تاريخية تشير إلى أن الآشوريين مارسوا أعيادهم القومية والدينية ومناسباتهم التقليدية خلال تلك الفترة، أي بعد تلاشي كيانهم السياسي المستقل، منها إحتفالات رأس السنة الجديدة التي كانت تصادف في الأول من نيسان من كل عام إلا أنه ليس بالإمكان تحديدة إشارة أو دليل واضح على ممارسة الآشوريين لصوم نينوى في تلك المرحلة بسبب قلة أو إنعدام المراجع بهذا الشأن.

بعد ظهور المسيح، عليه السلام، وأعتناق الآشوريين المسيحية وهي في سنواتها الأولى، أصبح للتوراة وقعاً كبيرا على عقلية الشعب الآشوري وتأثيرعميق في إحياء ذكرياتهم القومية والتراثية عن بلادهم ومدنهم وملوكهم، خصوصاً عن سحر وعظمة نينوى التي شكلت محور أساطير العهد القديم بما فيها قصة قدوم النبي يونان إليها وخشوع الملك سنحاريب لإرادة الرب فهناك إشارة للآشوريين في التوارة تزيد عن 150 مرة. وتدلنا مخطوطات كنيسة المشرق "الآشورية" خصوصاً تلك التي دونها القديس مار أفرام (306 – 373) إلى ممارسة الآشوريين لهذا الصوم حيث كانوا يصمون مدة 40 يوماً خاصة في أوقات الأزمات أو خلال المذابح التي كانت تفرض عليهم من قبل الفرس وغيرهم.

وبسبب إرتباط تاريخ الآشوريين وكنيستهم بالمآسي والفواج والتشرد عن أوطانهم وخضوعهم لشتى أنواع الإضطهادات، أرتبط هذا الصوم بهم طيلة تاريخهم الطويل وتتابعوا على ممارسته حتى إنتظامه سنوياً في العصور الحديثة بشكل ثابت ومستقر وأدراجه في تقويم كنيسة المشرق باعتباره من المناسبات المهمة. حيث يعتبر إلى جانب الصوم الكبير صوماً إلاهياً لكونهما الصومين الوحيدين المذكورين في الكتاب المقدس. وباعوثا دنينوايه مناسبة ينتظرها الكثيرون ممن يسعون إلى تحقيق آمالهم عن طريق الصيام والتذرع إلى الرب ولكن في الأزمنة الحديثة وبسبب ظروف العصر والمدينة أختصر الصوم إلى ثلاثة أيام وهو الإنقطاع نهائياً عن الأكل والشرب أو إقتصار ذلك على الصباح ثم الإفطار ظهراً بتناول مأكولات نباتية فقط ويختم الصوم في اليوم الثالث بإقامة القداديس في الكنيسة مع توزيع الذبائح والنذور في باحة الكنيسة. ومن الجدير بالذكر بأن هذا الصوم كان يلتزم بها بعض الشعوب، كالأقباط وبعض العرب المسيحيين في بلاد الشام، غير أنه منذ سنوات طوال أنقطعوا عنه وأصبح في عالم النسيان، وحتى بعض من أبناء شعبنا الذين سيطر عليهم رهبة التوراة والمفاهيم القديمة البالية وفقر المعرفة العلمية في قراءة التاريخ أو الذين يتجاهلون خوفاً أو عمداً أصولهم التاريخية يحاولون إطلاق على هذا الصوم بـ (صوم يونان أنويا) او ذكر باعوثا فقط في تقاويمهم أو أدبياتهم من دون النينويين أو نينوى أو آشور كما يحاولون ربط الصيام لمدة ثلاثة أيام بمدة بقاء يونان في بطن الحوت وهو ربطاً يفتقر إلى أبسط مقوم أو منطق لأن يونان كان يستحق العقاب لا النذر والصيام له بسبب مخالفته رسالة الرب وتردده في تأديتها. من هذا يفرض السؤال قوته: لماذا ظل الآشوريون، حتى وإن كانوا قلة في هذا الزمان، متمسكين بهذا الصوم؟ أعتقد الجواب واضح وضوح الشمس ومن لا يستطيع إستنتاجه من هذه المقالة فهو إنسان أعمى لايستطيع أي يرى حتى نور الشمس.

كان من الطبيعي أن ترتبط بصوم النينويين، عبر مراحل تطوره التاريخي، جملة ممارسات وعادات بعضها أكتسب طابعاً غيبياً أسطورياً يتعلق بالتمنيات والرغبات التي لم يتمكن الآشوريون ضمن ظروفهم المأساوية من تحقيقها في الواقع المادي. ولا يخلو قسم من هذه التقاليد من الطرافة والفكاهة وبراءة الإيمان بكل وسيلة ينسج حولها قوة إمكانية تحقيق الرغبات المستعصية، ومن هذه التقاليد ما يعرف باللغة الآشورية بـ (بوخن) – الباء يجب أن تلفظ ( P )، وهي بالأصل خليط يتكون من سبعة أنواع من الحبوب التي يشتهر بها سهل نينوى، تطحن وتحمص ثم تملح وفي الليلة الأخيرة من الصوم توخذ كمية منها يتم تقديرها عن طريق وضع إبهام اليد فيها وتحميل ظهر الإبهام (الظفر) ووضعها في الفم ثلاث مرات ومن ثم دفعها تحت اللسان والركون إلى النوم بأمل الحلم بأحلام ستتحقق في الواقع. وجانب الطرافة في هذا الطقس يقوم على كون مادة البوخن شديدة الملوحة وتسبب العطش وجفاف الفم أثناء الليل وهما مصدر أحلام الشباب والشابات العازبين الذين يعتقدون بأنهم سيحلمون بشخص يروي عطشهم وسيكون فارس المستقبل أو عروس الغد. ولايزال بعض الآشوريين يصرون على أن ما قسمه الله لهم من نصيب في حياتهم الزوجية كان مرسوماً في حلم من أحلام صوم نينوى.

 واليوم، رغم ظروف القهر والاستبداد التي فرضت على الآشوريين ومن ثمت تهجيرهم من أوطانهم التاريخية وتشتتهم بين أقطار العالم من أقصاه (أستراليا) إلى أقصاه الاخر (أميركا) ورغم ظروف التطور الهائل الذي تشهده هذه المجتمعات وتجاوزها للوحدات الاجتماعية التقليدية وتوجهها نحو الثقافة العالمية، فأن الآشوريين لا يزالون متمسكين بقيهم وعاداتهم وتراثم ولغتهم ويسعون من ممارستها الحفاظ على كيانهم القومي والديني ويأملون أن يمارسونها جميعاً في يوم ما وبآمان وحرية في وطنهم التاريخي الذي أنبثقت منه أقدم حضارة عريقة أعطى شعبها للإنسانية كثير الكثير ولم يأخذ منها حتى قليل القليل.... ترى هل ستحقق أحلام صوم نينوى أماني الشعب الآشوري في يوم ما، تلك الأماني التي حملها ولا يزال يحملها ويدفنها في صدره طيلة قورون طويلة من الزمن القاسي والظالم والتي لم يستطيع أعتى عتات العالم من تحطيمها.

 

تغيير: 09.15.2015

 جميع المواضيع تعبر عن آراء كتابها وليست بالضرورة رأي الموسوعة