قرى آشورية مشاريع حكم ذاتي مواقع الكترونية رياضة كتب فنون الأعلام الاشوريون فولكلور آشوري التاريخ الاشوري مقابلات وثائق مقالات الصفحة الرئيسية
 

من أبطال التاريخ الآشوري


أغا بطرس ... جنرال الأمة الآشورية

أبرم شبيرا

أنه رمز من رموز النضال القومي ونجم ساطع في أفق آشور تبهر مآثره القومية الخالدة دروب شباب اليوم في مسيرتها النضالية بالدروس والعبر وتؤهله بطولاته ومشاريعه القومية اعتلاء منصة أبطال التاريخ القومي والسياسي ويستحق أسمى نوط الشجاعة والتقدير لأنه فعلاً يركن في أعماق قلوب جميع المناضلين السائرين على هدى خطاه ومسيرته التي رسمها بتضحياته ودمائه  من أجل إحقاق حق هذا الشعب في تقرير مصيره القومي بنفسه وفي وطنه الأم بيت نهرين.

منذ البداية أدرك جنرال الأمة بأن الحرية والكرامة القومية أشرف وأنبل القيم في حياة الإنسان، وعندما أقترب وقت إثبات ذلك فعلاً وممارسة لم يتردد إطلاقاً في ترك حياة الترف والسعادة الشخصية التي كان يتمتع بها مع عائلته ووظيفته كسكرتير لقنصل تركيا في أورمي،  ولم يبخل إطلاقاً على الأرباح التي كانت تدر عليه من تجارة السجاد كما لم تفتنه حياة الرفاهية في فرنسا وأميركا، فترك كل ذلك من أجل حرية وكرامة بني قومه فامتطى صهوة جواده وحمل بندقيته رافعاً لواء الأمة الآشورية عالياً من أجل تقرير حقها في بناء كيانها السياسي القومي في أرضها التاريخية. قاد الحركة القومية الآشورية  وفق مبادئ وقيم جديدة راسياً بذلك منهجاً قومياً تحريرياً في مسيرة النضال القومي الآشوري، وهي ملحمة قومية معروفة في تاريخنا السياسي المعاصر والتي احتلت صفحات طويلة من كتب التاريخ الحديث، وهي نفس الصفحات التي أثارت أيضاً غيض وحقد العديد من مفكري ومؤرخي النخبة العراقية الحاكمة وأسيادهم الإنكليز ومن لفهم من أعوانهم الآشوريين، فخصصوا صفحات من الكتب عنه كما احبكوا قصص كاذبة وملفقة عن جنرال الأمة لا لشي إلا لتقليل من مكانة نضاله وتشويه سمعته، قبل قتله وفناءه، وهي المهمة التي فشلوا فيها حيث لم يفلحوا في إزاحته من قلوب الآشوريين حتى بعد مماته، بل ظل كما كان يحتل أسمى مكانة وأرفعها في تاريخ السياسي الآشوري المعاصر.

أن جنرال الأمة يعتبر حقاً وبحقيقة بطلاً من أبطال التاريخ الآشوري وهناك جملة حقائق تؤكد ذلك وتجعله أن يكون بمصاف الأبطال الآشوريين، نذكر منها:

1 -  كان أغا بطرس من القلائل الذين تأثروا تأثيراً مباشراً وعميقاً بأفكار الثورة الفرنسية وبمبادئ التحرر والاستقلال القومي وحقوق الإنسان وحق الأمم في تقرير مصيرها وبناء دولتها القومية والتي انتشرت في أوربا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر وانتقلت فيما بعد إلى بقية مناطق الشرق الأوسط  بما فيها بلاد آشور. فكانت مشاركة جنرال الأمة في الحروب التحريرية مع جيوش بعض البلدان كفرنسا وروسيا ومن ثم حصوله على العديد من نوط الشجاعة تقديراً لبطولاته وخدماته العسكرية الكبيرة لمبادئ التحرر والاستقلال، تجسيداً لإيمانه بهذه المبادئ والقيم، وليس كما يحاول البعض تزيف التاريخ والحقائق وإلصاق تهم وأكاذيب بحق هذا البطل الآشوري، فمثله هو كغيره من رجال الفكر والسياسة الأمريكيين الذين شاركوا مع الجيوش الفرنسية أثناء الثورة الفرنسية والحركات التحريرية الأوربية أو الفرنسيين الذين شاركوا أثناء حرب الاستقلال الأمريكي مع الجيوش الأمريكية إيماناً بمبادئ التحرر والاستقلال من الاستعمار البريطاني، فجنرال الأمة لا يختلف عنهم كثيرا إلا من حيث الشهرة العالمية وسعة الانتشار ومن حيث تخليدهم من قبل شعوبهم ودولهم واعتبارهم رموز وطنية لبلدانهم.

2 - أغا بطرس، كزعيم قومي، هو نتاج مخاض جملة ظروف تاريخية تشكل انعطافاً خطيراً في سياق التطور التاريخي للآشوريين وتحولاً جذرياً للمجتمع ظهرت في إعقاب الحرب الكونية الأولى وما بعدها. فعشية انهيار النظام الاجتماعي الآشوري والذي كان قائماً على بنية تحتية تمثلت في وحدة (العائلة-العشيرة) كأساس لبنية فوقية انعكست في المؤسسة الدينية والنظام العشائري والذي بدأ بالانهيار عقب مذابح مير بدرخان للآشوريين في حيكاري منذ عام 1843 وتشريدهم من مناطقهم ومن ثم اغتيال المجرم سمكو للبطريرك الشهيد مار بنيامين عام 1918 وما أعقب ذلك من تشتت الآشوريين واقتلاعهم من أوطانهم وطغيان الفوضى الفكرية والسياسية على المجتمع الآشوري. فكان من الطبيعي، وضمن هذه الظروف، أن يبرز زعماء وقادة قادرون على الاستجابة الفورية لمتطلبات الواقع الجديد ولطموحات المجتمع الآشوري الذي بدا مقبلاً على تحولات جذرية خطيرة بهدف انتشاله  من المأساة والفواجع التي حلت عليه ومن ثم توجيه نحو الطريق الصحيح وقيادته لتحقيق أهدافه القومية وبما تتلاءم مع الظروف الجديدة التي أطلت على الآشوريين بعد انهيار نظامهم الاجتماعي التقليدي وعجزه عن مجارات الأحداث الجديدة. فكان أغا بطرس نموذجاً حياً واستجابة طبيعية لمثل هذه الظروف التي فرضت ضرورتها وجود زعماء على المستوى القومي تتحمل مسؤولية بناء البنية الاجتماعية والسياسية الجديدة مختلفة ومتجاوزة في عين الوقت للبنية القديمة وتشكيلها ضمن أطر سياسية وفكرية شاملة، وهذا ما تمثل في مسعى ونضال أغا بطرس في سبيل إيجاد كيان سياسي قومي مستقل للآشوريين.

3 يعد جنرال الأمة أول زعيم قومي جاوز قولاً وفعلاً الأطر الطائفية الضيقة التي كانت وظلت تنخر بالجسم القومي الآشوري وتمزقه أشلاء وأشلاء. فكان وبحق عظيماً عندما أدرك هذه الحقيقة وآمن بها وناضل من أجل بناء كيان قومي آشوري شامل لكل طوائفه دون تمييز. فبسبب إيمانه القومي الأصيل لم تمنعه "كاثوليكيته" من تبنى الفكر والنضال القومي والتضحية بحياته من أجل أمته الآشورية ولا كانت عائقاً أما الآشوريين الأبطال من مختلف الطوائف الكلدانية والنسطورية واليعقوبية وحتى اليزيدية من السير خلفه جنوداً وفداءً لأرض آشور التي رسم أغا بطرس حدود خريطتها بدماء الأبطال ونضالهم لتشمل، تلك الخريطة التي كانت تشمل وتضم جميع الطوائف الآشورية دون أي تمييز.

4 - كما يعد بطرس أول زعيم آشوري قومي من خارج المؤسسة الكنسية- العشائرية جاوز في نضاله أطر البنية الفكرية والاجتماعية التقليدية للمجتمع الآشوري نحو آفاق قومية أشمل وأوسع تتوافق مع المفاهيم الحديثة للقومية وضرورة تجسيد هويتها في كيان سياسي مستقل وخاص بها بعيداً عن كل الاعتبارات الطائفية والعشائرية والنفعية. من هذا المنطلق، كان من الطبيعي أن يواجه مقاومة أو رفض، ضمناً أو صراحةً، من قبل المؤسسة الدينية العشائرية ومن النظام الاجتماعي القديم الذي آل بحكم الزمن والظروف الجديدة إلى الجمود والعجز وأصبح متخلفاً وغير قادر على استجابة واضحة وصريحة ومباشرة وفاعلة لمتطلبات المجتمع الآشوري في المرحلة التي أعقبت الحرب الكونية الأولى. فمرحلة بروز أغا بطرس، كزعيم قومي على المسرح السياسي الآشوري، يمكن أن تشكل مرحلة بداية الصراع بين رموز نظام اجتماعي يقاتل للحفاظ على زعامته السياسية وتثبيت هيمنته على أوضاع سياسية واجتماعية وفكرية تختلف عن طبيعة مكوناته وتراكيبه المتوارثة من الزمن السابق للحرب، وبين رموز قومية جديدة تسعى لبناء نظام اجتماعي جديد، أي بعبارة أخرى، تمثل هذه المرحلة بداية الصراع بين القديم والجديد، بين الزعامة التقليدية  المتبنية للفكر القومي التقليدي المستند على بنية دينية - عشائرية من جهة، وبين الزعامة القومية الناشئة والمتبنية للفكر القومي الجديد المستند على مفاهيم التحرر القومي، مع ضرورة أخذ كل من مفهومي القديم والجديد، أو القومي والديني، ضمن سياق زمان ومكان كل واحد منهما والظروف المحيطة بهما. وعلى العموم، يمكن اعتبار هذه المرحلة الحد الفاصل بين المجتمع القديم والمجتمع الجديد وبداية نشوء التاريخ السياسي القومي الآشوري الحديث.

هذا الصراع الضمني الداخلي الذي لم يؤدي إلى حسم الوضع من قبل أي من الطرفين، أو إلى تعايش متناسق يجمع بين الأصالة والمعاصرة، أو يتمكن من التوفيق بين التراث والمفاهيم التقليدية وبين مبادئ وأفكار التحرر القومي الجديدة، هو الذي قاد الآشوريين في نهاية المطاف إلى نهايات مأساوية، لم يكن سبب ذلك ضعف الذات الآشورية الفاعل فحسب وإنما إلى قسوة وهول الظروف الموضوعية القاسية والظالمة التي أحيطت وفرضت على الآشوريين والتي أثرت تأثيراً عميقاً على الذات الآشورية بحيث حشرتها في زاوية مميتة تمكن القوى المنتفعة، كبريطانيا، من استغلالها ودفع الآشوريين إلى هاوية الموت والفناء، فكان كل ذلك قد سبب طغيان الفوضى الفكرية والارتباك السياسي على المجتمع الآشوري وعلى زعامته والتي تجلت فيما بعد في فشلها من استغلال الظروف والفرص المأتية لتحقيق أهداف وتطلعات الشعب الآشوري، ولعل فشل الحركة القومية الآشورية عام 1933 والمأساة التي رافقتها في مذبحة سميل تمثل نموذجاً قياسياً في ذلك.

5 كما يعتبر أغا بطرس أول زعيم آشوري يجاهر علناً وصراحة ويعمل أيضاً من أجل بناء كيان سياسي قومي مستقل للآشوريين في أرض آباؤهم وأجداهم ويناضل نضالا صعباً وحتى يائساً وبالضد لجميع الرغبات الداخلية والخارجية المتضررة من قيام مثل هذا الكيان القومي للآشوريين. فعندما أدرك بأن الظروف الإقليمية والدولية المحيطة بالآشوريين من جهة، والإمكانيات الاقتصادية والسياسية والإدارية الضعيفة أو المفقودة أصلاً من جهة أخرى، لا تخدم فكرته ومشروعه القومي اضطرته إلى أن يلجأ إلى فكرة وضع هذا الكيان الناشئ تحت حماية أو انتداب إحدى الدول العظمى المتحكمة في المنطقة وكمرحلة تمهيدية لتجاوز الصعوبات القائمة والمخاطر المحتملة وفي وسط جغرافية وسكاني يكتظ بالأعداء التاريخيين المتربصين لفرص الانقضاض على الآشوريين وإفناءهم. غير أن خيانة بريطانيا لوعودها المقطوعة للآشوريين وخشيتها من طموحات أغا بطرس القومية، تراجعت عن تأييدها الأولي لمشروعه، خاصة بعد صدور مقررات مؤتمر القاهرة عام 1920 والقاضية بتأسيس دولة عربية في بلاد ما بين النهرين تتكون من الولايات العثمانية الثلاث، بغداد والبصرة والموصل، ونصب فيصل بن الحسين ملكاً على عرش الدولة الجديدة كعربون للعرب عن وقوفهم إلى جانب بريطانيا في حربها ضد الدولة العثمانية. لهذا السبب وجدت بريطانيا بأن مشروع أغا بطرس في إقامة كيان سياسي قومي آشوري في شمال بيت نهرين يتعارض ويعرقل مشروع الدولة العراقية ويهدد مشاريعها السياسية ومطامعها الاقتصادية في البلاد، فبدأت مع بعض من أتباعها السائرين في فلكها ببث دعايات وأقاويل سيئة عنه من أجل إزاحته من موقع الزعامة الذي أحتله حتى تمكنت في نهاية المطاف من تدبير أمر رسمي لنفيه من أرض الوطن إلى فرنسا لغرض التخلص منه ومن إصراره على استمرار النضال والمطالبة بالحقوق القومية للآشوريين والتي كانت تقلق مضجع الإنكليز كثيراً.

6 أن الصراع الضمني أو الخلاف العلني بين جنرال الأمة والمؤسسة الكنسية وحاشيتها يجب أن نكرر مرة أخرى ونقول بأنه يجب أن يفهم ضمن سياق الزمان والمكان للظروف التي كانت تحيط بالآشوريين وبمرحلة التحول التي كانوا يمرون بها. أي أنها مسألة طبيعية قائمة في كل المجتمعات الإنسانية المقبلة على تحولات جذرية ويجب أن لا نبالغ فيه ونصوره كأنه كان عداءاً سافراً لا يمكن حله أو التوفيق بين الجهتين، وهو ما صوره الإنكليز للزعامة الكنسية وبثوا إشاعات بأن "أبن الأرملة"، أي أغا بطرس حيث كانوا ينعتونه ويروجون عنه بأنه لا ينتمي إلى طبقة أو فئة زعماء العشائر"ماليك" وأنه يريد إزاحة البطريرك من زعامة الأمة لكي يحتل مكانه وأن بمشروعه القومي يريد أن يكون زعيماً للآشوريين. غير أن من يقرأ التاريخ بقلب صافي وبوعي ثاقب يدرك مدى إخلاص جنرال الأمة للزعامة الكنسية خاصة بالنسبة للبطريرك. ففي عهد أمير الشهداء مار بنيامين، رغم حساسيته المرهفة تجاه المبشرين الكاثوليك الغربيين واستهجان أعمالهم لأنهم كانوا يمزقون كنيسته ولحمة أبناء أمته وهو الزعيم الديني والقومي العاجز عن إيقاف ذلك، فأنه كان يعتمد اعتماداً كلياً على أغا بطرس في حملاته العسكرية وكان يعتبره العنصر العسكري القوي والضارب في حماية الآشوريين من اعتداءات الأكراد وهجمات الأتراك، وحتى بعد استشهاده فأن جنرال الأمة لم يفقد موقعه القيادي وقربه للزعامة لكنيسة وحاشيتها بل ظلوا هؤلاء يعتمدون عليه بما فيهم سرمه خانم وأخيها داود المارشمعوني. غير أن الإنكليز وبأساليبهم الثعلبية المعروفة في زرع الشقاق والفرقة تمكنوا بعد الحرب العالمية الأولى من إخضاع الزعامة الكنسية إليهم، بغياب دور البطريرك الطفل مار شمعون إيشاي، لغرض تحقيق مآربهم وعن طريق تخويف الزعامة الكنيسة من مشاريع وطموحات أغا بطرس القومية وتصوريها كأنها تهديد لها من شخص علماني كاثوليكي يريد تدمير الكنيسة لذلك اقنعوهم بأن أبعاده من العراق سوف يخدم مصلحة الكنيسة والأمة. ومع كل هذا، من يقرأ مواقف أغا بطرس ورسائله الموجهة إلى زعامة الكنيسة سوف لا يجد إطلاقاً أي نقد أو معارضة أو تهجم على الكنيسة المشرقية أو على زعامتها أو على بطريركها بل على العكس من ذلك تماماً كان يكن لهم جميعاً احتراماً شديداً ويتعامل معهم بكل لطف وأدب، وهذا ما يثبه الأوراق والرسائل التي تركها بعد وفاته.

أن هذا الموقف هو نفسه الذي مارسه الإنكليز في تلك الفترة مع معظم رواد الحركة القومية الآشورية وتحديدا مع المبدع الكبير الشهيد فريدون أتورايا الذين تمكنوا من إيقاع الفرقة والشقاق والكراهية بين زعماء الكنيسة وزعماء الحركة القومية الآشورية وتصوير ذلك وكأنه صراع لا يمكن حله بالتفاهم حول تحديد مصلحة الأمة والكنيسة معاً وكيفية ارتباطهما ارتباطاً عضوياً تتحقق مصلحة كل واحد من خلال تحقق مصلحة الآخر، وأن أي ضرر يصيب الطرف القومي سيصيب الطرف الديني بالنتيجة والحتم والعكس صحيح أيضاً. ومن المؤسف أنه حتى بعد ابتعاد تأثير الإنكليز منذ سنوات طويلة فإننا نجد مثل هذا الفتور وعدم القدرة على التودد والتفاهم وتحديد الحدود بين الكنيسة والمؤسسات القومية والأحزاب السياسية الآشورية والعمل سوية من أجل تحقيق الصالح العام للآشوريين، وهي المسألة التي يتطلب بحثها صفحات طويلة نتركها لفرصة أخرى.

7 إضافة إلى كون جنرال الأمة عسكرياً بارعاً ومن الدرجة الأولى ومعترف بمهارته القيادية من قبل رؤساء بعض الدول الكبرى وقادتها العسكريين حينذاك، فأنه كان أيضاً سياسياً محنكاً ودبلوماسياً ذكياً.  لقد أدرك الإنكليز منذ البداية بأن مثل هذا الشخص لا ينفعهم بل يضرهم ويضر بسياستهم في العراق لذلك كانوا يكرهون أغا بطرس ويحاولون إبعاده عن موقعه القيادي المؤثر لأنه كان عارفاً وبشكل جيد مناورات الإنكليز في استخدام الآشوريين لغرض تحقيق مصالحهم في العراق، كما كان، بفعل خبرته ومهنته في القنصلية التركية في أورمي واحتكاكه بالدبلوماسيين ورجال السياسة وكثرة تنقلاته بين الدول الكبرى، كان يجيد لعبة المناورات السياسية والدبلوماسية فكان لا يفوت عليه إلا وأن يحاول الاستفادة من روسيا أو فرنسا أو حتى من بريطانيا لغرض تحقيق مصلحة لأبناء أمته، وكان هذا يزعج الإنكليز ويقلق أعوانهم من الآشوريين لعدم قدرتهم السيطرة عليه، لهذا السبب حاولوا الإساءة إلى قدراته الدبلوماسية والسياسية وعن طريق تشويه سمعته ووصفه بالمنافق أو النفعي أو الانتهازي،  وهناك ألقاب أخرى أضاف إليه وكرام في كتبه عن الآشوريين مثل الماكر أو المخادع أو الدجال وغيرها من الألقاب السيئة من أجل حط من قيمته ومكانته بين الآشوريين ومن ثم تبرير أسباب نفيه خارج وطنه.

8 في المنفى، كانت فرنسا بمثابة سجن كبير له يعيق نضاله القومي ويبعده عن ساحة المعركة الذي كان بطلها الحقيقي، لهذا لم يهدأ للسكينة والراحة خاصة بعد انكشاف نوايا الإنكليز  في منح العراق الاستقلال السياسي عام 1932 وتهيئته لاكتساب عضوية عصبة الأمم من دون إيجاد حل منصف للمسألة الآشورية أو تقييد الحكومة العراقية بقيود وقوانين أو إلزامها بحماية الأقليات ومنهم الآشوريين. لذلك حاول جنرال الأمة جلً جهده العودة إلى بيت نهرين واللحاق برفاق النضال القومي للحركة القومية الآشورية التي كان قد بدأت بوادرها بالتبلور وتصاعد عنفوانها من جهة، وزيادة سعير حقد النخبة العراقية الحاكمة للانتقام من الآشوريين وسحق مطالبهم بالطرق العسكرية الفاشية من جهة أخرى. أدرك الإنكليز والنخبة العراقية الحاكمة جدية وخطورة وجود أغا بطرس على أرض العراق  وبين الآشوريين في تلك الفترة الحرجة وما سيكون له من تأثير في تنظيم أو توجيه وقيادة الحركة بالشكل الذي قد يؤثر على مشاريع بريطانيا في العراق. وقد تجلى خوف وخشية بريطانيا من أغا بطرس في رفض القنصلية البريطانية في مدينة بوردو الفرنسية السماح له بالعودة إلى العراق. وعندما أحس الإنكليز والحكومة العراقية إصرار أغا بطرس وبكل السبل والطرق للعودة إلى بيت نهرين واللحاق بالحركة القومية الآشورية المتصاعدة، حاولوا اللجوء إلى أبخس الوسائل وأرذلها لمنعه من ذلك. وعندما أنهار جنرال الأمة في شارع عام بوسط مدينة تولوز الفرنسية في الثاني من شباط من عام 1932 ( وهو نفس اليوم من عام 1985 الذي أعدم النظام الدكتاتوري في بغداد الشهداء الأبطال يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو) ، ومات وبشكل مفاجئ من دون وجود أعراض مرضية مسبقة وضمن ظروف غامضة ومثيرة للتساؤل عن سبب وفاته في هذه الفترة الحرجة والحساسة، عند ذاك توجه أصابع الاتهام إلى الحكومة العراقية والإنكليز وبعض أعوانهم من الآشوريين لتقول بأنه تم تدبير أمر تسميمه وقتله بهدف إسكات صوته ومحو صورته من التاريخ القومي الآشوري ومن قلوب الآشوريين والتخلص منه في مرحلة وصلت ذروة المؤامرة في تقليص وسحق تأثير الوجود الآشوري في العراق إلى مراحلها التنفيذية النهائية. وهذا ما تم تنفيذه فعلاً في عام 1933 في مذبحة  سميل وما أعقبها من مأساة سياسية واجتماعية واقتصادية أثرت بشكل عميق على مسار تطور الحركة القومية الآشورية وأفرزت نتائج سلبية على المجتمع الآشوري تواصلت لفترات لاحقة.

ولكن، إذا كان الإنكليز وأعوانهم في تلك الفترة قد وفقوا مرحلياً في مهمتهم هذه، فإنهم اغفلوا بأن البذور التي زرعها جنرال الأمة وغيره من أبطال التاريخ الآشوري كان قد بدأت تتجذر في الأرض وأخذت في الفترات اللاحقة تنمو وتورق وتزهر في ربيع جبال آشور وتثمر أبطالاً وأبطالاً يتبعون خطى جنرالهم الكبير من أجل إعلاء بناء كرمة آشور العامرة بتلك القيم والمبادئ التي من أجلها أريقت دماء مار شمعون برصباي وماليك شليطا ومار بنيامين وتوما آودو وفريدون آتورايا وآشور بيت هربوت مروراً بدماء وأرواح شهداء العصر يوسف توما ويوبرت بنيامين ويوخنا إيشو وفرنسيس شابو وغيرهم لتظل هذه الكرمة العظيمة عامرة وعلى الدوام والتي بدأ عصر هذا اليوم أطفالهم الجالسون على مقاعدهم الدراسية في مدراس نصيبين وآشوربان وأربائلو وغيرها يقطفون ثمارها ويدرسون العلوم بلغتهم القومية العظيمة منتظرين اليوم الذي يسرحون ويمرحون في مروج آشور ويتسلقون جبالها الشامخة بكل حرية وآمان ومن دون أي خوف أو تردد أو صرع برصاصة طائشة من مجرم طائش محتمي مع الشياطين في الظلام.

أغا بطرس، جنرال الأمة هو رمز هويتنا القومية النضالية ورائد من رواد حركة التحرر القومي، فإذا كانت أقلامنا وألستنا عاجزة عن وصف مآثره القومية الخالدة، فإن ضمائرنا وعقولنا صاحية ومدركة لمغزى نضاله المستميت ونفهم عناده وإصراره على مواصلة النضال حتى آخر لحظة من حياته، وهو النضال الذي يستلهمه اليوم مناضلون سائرون على نفس الخطى في جبال آشور حتى يتم تحقيق الأهداف النبيلة التي كان ينشدها جنرال الأمة في مسيرة نضاله القومي.

مات واستشهد المناضل أغا بطرس ولكن ظل وسيظل حياً خالداً في قلوب كل الآشوريين المناضلين الشرفاء.

الجبناء يموتون كل يوم والأبطال يبقون خالدون

 

 

تغيير: 09.15.2015

 جميع المواضيع تعبر عن آراء كتابها وليست بالضرورة رأي الموسوعة