قرى آشورية مشاريع حكم ذاتي مواقع الكترونية رياضة كتب فنون الأعلام الاشوريون فولكلور آشوري التاريخ الاشوري مقابلات وثائق مقالات الصفحة الرئيسية
 
 

من أبطال التاريخ الآشوري

أبرم شبيرا

ولد مار بنياميــن في عام 1887، وفي الثاني من شهر آذار من عام 1903 رسم مطراناً من قبل عمــه البطريرك مار روئيـل شـمعون وبعد انتقال هذا الأخير الى الحياة الأبدية رســم مار بنياميــن بطريركاً على كنيسة المشرق في 30 آذار من نفس السنة وهو شــاب يافع لم يتجاوز عمره أكثر من ستة عشر عاماً غير أن معظم الذين عاصروه أكدوا بأنه كان يمتلك عقلاً نيراً وحكمـة بالغة وسلوكاً قويماً ووعياً ناضجاً وكأنه رجل في الأربعين من العمــر، كما يوصف بأنه كان سليم الجسم كسلامة عقله يتميز بكرامة واسعة وشهامة بالغة وشجاعة فائقــة بحيث لم يكن يعرف معنى للخوف خاصة عندما تكون المسألة متعلقة بأبناء شعبه، وكان موضوع ثقة كبيرة ليس عند الآشوريين والمسيحيين فحسب وإنما أيضا عند الكثير من العشائر الكردية وزعمائهم الذين كانوا يؤتمنون بحكمتـه وعدالته ويلجئون إليه لفض نزاعاتهم ويحترمون قراراته وتحترم قراراته ففي الكثير من المرات استطاع أن يحل أصعب الخصومات والنزاعات وأن يعقد بينهم العدل والتفاهم، كما كان له مكانة خاصة ومتميزة عند السلطات المركزية والمحلية يولونه احتراماً شديداً، ويؤكد المؤرخون بأن بعض العشائر الكردية المسلمة في عهد مار بنيامين كانت تأكل الحيوان المذبوح من قبل عائلته وتعتبره لحملاً حلالاً غير محرماً كما هي العائدة. هذه الصفات الفريدة والمكانة المتميزة التي كان يتمتع بها شهيد الأمة والكنيسة البطريرك مار بينامين هي التي زادت من حقد بعض زعماء الأكراد المتطرفين والحاقدين عليه وعلى الآشوريين من أمثال سمكو أغا زعيم قبائل الشيكاك الكردية المتطرفة. 

لهذا السبب عندما أنتقل أمير الشهداء إلى عالم الخلود لم يكن هناك أي شخص آشـوري، سواء في الكنيسة أو في الأمة، يستطيع أن يحل مكانه ويجمع أبناء الشعب تحت قيادة واحدة، فكان وبحق آخر قائد آشــوري ديني وقومــي قادر على جمع شمل الآشوريين تحت لواء قيادته التي لم تكن في يوم من الأيام قيادة منفردة أو متسلطة، فقد عرف عنه بأن معظم القرارات التي أتخذها تمت بعد التشاور والتباحث مع زعماء "ماليك" العشائر، الذين كانوا يشاركون في مجلسه باعتبارهم أعضاء في المجلس القيادي للأمة. من هذا المنطلق يقول المؤرخ الآشوري الشماس كوركيس بنيامين في كتابه ( رؤساء الآشوريين في القرن العشرين) المكتوب باللغة الآشورية الحديثة (ص25) يقول  "بأن لو لم يكن الآشوريون قد فقدوا مار بنياميــن في تلك الفترة لربمـا كانت مسيرة تاريخ أمتنا قد تطورت بشكل آخــر، ومن دون أدنى شــك كانت بشكل احسن مما هو عليه الآن لأنه بالتأكيد ما كان يسمح للإنتهازيين أن يلعبوا لعبتهــم كما فعلوا بعد الحرب العالمية الأولى وكما يفعلون اليوم".

نشأ مار بنيامين وترعرع في بيئة دينيـة وقومية وتربـى على المثل العليا في الفداء والتضحية وتمثلت فيه روح الأباء والأجداد العظام في تحمل الصعاب والمشاق ونكران الذات والتضحية في سبيل الأمة والكنيسة، فبالرغم من كونه في العقد الثالث من عمره، استطاع قيادة الأمـة الآشورية في أحرج الظروف وأصعبها نحو الخلود وديمومة التواصل التاريخي رغم كل المأساة والفواجع التي أفرزتها الحرب الكونية الأولى ونتائجها المؤلمــة التي فرضت قسـراً وظلمـاً على الشعب الآشــوري، كالجلاء عن أرض الوطن والابتلاء بالأمراض الفتاكة والمجاعات القاتلة وحملات التنكيل والإبادة الجماعية التي نفذتها السلطات التركية والعشائر الكردية والفارسية المتحالفة معها ضد الآشــوريين .

فإذا كان عمق إيمانه المسيحي وقوة إلهامه الروحــي ووســع معارفه اللاهوتية قد أهلته اعتلاء كرسي بطريركية كنيسة المشرق الآشورية فأن ذكاءه الحاد وفطنته السياسية وحبه اللامتناهــي لأمته وشجاعته القومية التي لم يعرف لها حدود كانت كلها عوامل وضعته في قمة قيادة الانتفاضة الآشــورية ضد الدولة العثمانية أبان الحرب العالمية الأولى والسعي بكل إخلاص وتنافي من أجل تحقيق المصير القومي لشعبه والعيش بأمن وسلام .

كان مار بنيامين من بين القلائل الذين يدركــون مضامين السياسة الشوفينية للدولة التركيــة ومغزاها الاستراتيجي القائم على أبعاد عنصرية تتخطى كل الحدود الإنسانية والأخلاقية، خاصة بعد استلام حزب الاتحاد والترقي التركي، والمعروف أيضا بـ " تركيا الفتاة"، مقاليد السلطة في الدولة العثمانية عام 1908 والمعروف بسياسته في تتريك الأقوام غير التركية . فقبل حول نهاية القرن الماضي خسرت الدولة العثمانية معظم مستعمراتها في شمال أفريقيا على اثر هزيمتها أمام الدول الأوربيــة التي سيطرت على تلك المنطقة، كما تقلص نفوذها في شرق أوربا وبشكل خاص بعد استقلال معظم دول البلقان نتيجة تصاعد حركات التحرر القومي في تلك المنطقة مما حدا بهذ بالدولة العثمانية إلى تعويض عن هذه الخسائر بتوجيه أطماعها نحو الشرق لتحقيق الأحلام العنصرية لحزب الاتحاد والترقي في إقامة الإمبراطورية الطورانية تشمل معظم مناطق بيت نهرين وفارس وبلدان آسيا الوسطى وباكستان وأفغانستان وحتى الهنــد .

ومن الضروري الإشارة بأن شعوب هذه المناطق المسلمة وغير التركيــة لم تكن تشــكل، حسب اعتقاد الدولة التركية، أي عائق أمام تحقيق سياستها في تتريكهم وذلك بسبب عامل الدين المشــترك وبحجة الخلافة الإسلامية أو تحت غطاء الجامعة العثمانية، في حين شكلت الشعوب المسيحية الأخرى كالآشوريين والأرمــن والروس عائقاً أمام تطبيق سياسة التتريك ودمجهم في الإمبراطورية الطورانية المسلمة لذلك وجدت في سياسة الإفناء والإبادة الجماعية والحروب المقدسة " الجهاد" ضد هذه الشعوب الوسائل الممكنة لإزاحتهم عن طريق تحقيق أحلامها الشوفينية، كما وجدت في الحرب الكونية الأولى الفرصة المثالية لتنفيذ هذه السياسة .

وفعلاً عندما أعلنت الدولة التركية مذابحها المشهورة في التاريخ ضد الأرمن شملت هذه المذابح الآشوريين أيضاً حيث *بدأت القوات التركية وبعض العشائر الكردية المتحالفة معها بشن هجمات على القرى الآشورية الآمنة وحرقها وتشريد سكانها والتنكيل بهم . ويروى بأن أحد المبشرين الأجانب سأل القائد التركي عن سـبب شن حملات الإبادة الجماعية على الآشوريين في الوقت الذي يخص قرار (فرمـان) السلطة العثمانية الأرمــن وحدهم دون غيرهم من المسيحيين، أجاب القائد التركي " إنني لا أســتطيع التمييز بين الروث الجاف والروث الرطب فكلاهما روث كريــه ".

هذه السياسة البربرية وضعت الآشــوريين وعلى رأسهم البطريرك مار بنياميــن في موقف ماحق ومهلك لم يترك أمامه  خيارات متاحة سوى خيارين إما الموت والفناء أو المواجهة والمقاومة لهذه السياسة وبكل الأساليب الممكنة والمتاحة. وفعلاً ففي شهر أيار من عام 1915 اجتمع البطريرك مع بقية الزعماء الآشوريين فاتخذوا قراراً جريئاً وشجاعاً في الانضمام إلى الحلفاء والاشتراك في الحرب ضد الدولة العثمانية وحلفائها بعد أن تأكد له عدم جدوى وقوف الآشوريين جانب الحياد والمذابح تفعل فعلها في أعناق أبناء شــعبه المسالم وبعد أن ثبت بطلان وزيف وعود الأتراك والإغراءات المعروضة على البطريرك وبقية الزعماء الآشــوريين لمنعهم من الاشتراك في الحرب ضدها .

وبعد اشتراك الآشــوريين مع الحلفاء في الحرب ومن ثم نكوص وتخاذل روسيا أولاً ثم بريطانيا ثانياً في الوعود الممنوحة للآشوريين بالمساعدة بالسلاح والتموين والإسناد في حربهم ضد الدولة التركية، اصبح الآشوريون منفردين في مواجهة القوات التركية والعشائر الكردية والفارسية الجيدة التسليح، خاصة بعد انهيار الجبهة الشرقية على اثر انسحاب روســيا من الحرب وعقد الهدنة مع تركيا ودول المحور عند قيام الثورة البلشفية الاشتراكية في أكتوبر من عام 1917 ، لذلك تعرض الآشوريون إلى الهجمات الانتقامية الشــرسة وأخذت القوات التركية وحلفاؤهم تنكل بهم تنكيلاً وتقتل بهم تقتيلاً من أجل تنفيذ سياسة إفناء الوجود الآشــوري من مناطقهم التاريخية، وهي مأساة مفصلة بشكل دقيق في الكثير من الكتب. ففي هذه الظروف المأساوية قاد مار بنيامين شــعبه البائس والجائع والمتشرد من منطقة هيكاري إلى منطقة أورمي في شمال بلاد فارس في هجرة جماعية تعتبر وبحق ســفر من أسفار اضطهاد ومعاناة الجنس البشري على الكرة الأرضية وهو في بداية قرن جديد لم يعرف الآشوريون منه غير الدمار والتشرد والجوع والأمراض الفتاكة والفواجع المهلكة .

وإذا كان بعض المحللين الذين درسوا تاريخ الآشــوريين في تلك الحقبــة الزمنية يرون في اندفاع الآشــوريين وترك أوطانهم في هيكاري واللجوء إلى اورمي خطأً عسكرياً واستراتيجياً مميتاً كلفهم الكثير، فيــه نوع من القبول من الناحية النظرية العسكـرية إلا أنه من ناحية أخرى يفتقر مثل هذا التحليل إلى النظرة الموضوعية التاريخية لطبيعة الشعب الآشــوري وللظروف المهلكة التي كانت تحيطه من كل الجوانب بحيث لم تترك له فرصة الاختيار إلا الخيار الصعب والوحيد ذلك لأن بقاء الآشـوريين مع عوائلهم منفردين ومعزولين عن العالم الخارجي ومحاطين بأعدائهم  همهم الوحيد التنكيل بهم وأبادتهم ما هو إلا ضرب من الانتحار الجماعي للأمة وإعطاء الفرصة لأعدائها في تنفيذ سياستهم المرسومة للقضاء على الآشوريين نهائياً . في حين ضمن الآشوريون بلجوئهم إلى المناطق الأخرى بعيدين عن أوطانهم عنصر الحياة والديمومة والتواصل كقومية تاريخية تمتد جذورها لقرون طويلة في التاريخ البشري . فالمقدرة العضوية التي اكتسبها الآشوريون في التكييف والتمحور تجاه المأساة والمعاناة المستديمة والفواجع الاجتماعية والطبيعية عبر تاريخهم السياسي الطويل ضمن لهم عنصر البقاء والخلود وأنطبق عليهم وبحق قانون الانتخاب الطبيعي والبقاء للأصلح،  مع التحفظ للتفسيرات المختلفة لهذا القانون، وكان مار بنيامين قد أستلهم هذه الحقيقة وأدركها جيداً عندما أختــار الخيار الصعب والقرار الوحيد لأجل إنقاذ شعبه من الانقراض والزوال رغم كل الخسائر الفادحة التي كلفت اتخاذ مثل هذا القرار وحتى خسارة الوطن لأنه كان يدرك بأن بقاء شعب، مثل الشعب الآشــوري، سيعوض عن هذه الخسائر بما فيها خسارة الوطن طالما تمسك بالقيم والمبادئ التي خلقته كأمة وككنيسة خدمت العالم وأعطت للإنسانية كثير الكثير واستطاعت المحافظة على نفسها طيلة قرون طويلة من الظلم والاضطهاد .

كان مار بنيامين في عصر زمانه يجسد وبحق وصدق أسطورة التضحية والفداء في سبيل الكنيسة والأمة التي كتبها قبله أجداده الأبرار بدمائهم الزكية الطاهرة ويكمل ما شرع به مار شمعون برصباي البطريرك الآشوري الذي وهب حياته في القرن الرابع الميلادي قرباناً لمبادئه وأيمانه بكنيسته وشعبه. وتتجلى عظمـة وتضحية مار بنيامين في كل يوم من أيام حياته القصيرة وفي كل موقف من مواقفه البطولية، وبعض الأمثلة التاريخية تؤكـد هذه الحقيقة :

1 -  عندما أدركــت السلطات التركية عدم إمكانية خداع وإقناع مار بنيامين في استمالته إلى جانبها ضد دول الحلفــاء أو إبقاءه على الأقل على الحياد رغم كل الاغراءات والامتيازات التي وعدته بها له ولشــعبه، لجأت إلى وسائل الضغط والإكراه فوجدت في اعتقاله بتهمــة الخيانة والتحريض على الحرب أو اغتيالــه الوسائل الممكنة في منع الآشــوريين دخول الحرب مع الحلفاء ضدها لأن الحكومة التركية أدركت بأن القضاء على البطريرك، هذا الشخص بالتحديد ، سيكون بمثابة الضربة الماحقة للآشوريين للاستسلام والخضوع. غير أن الإجراءات الاحتياطية التي اتخذتها القيادة الآشــورية بنقل مقر البطريرك التقليدي في قرية قوجانس إلى  منطقة ديز حال دون ذلك. ثم وجدت في أخيه هرمز الذي كان يدرس حينذاك في أسطنبول وسيلة أخرى للضغط على مار بنيامين لتغييــر قرار المشاركة في الحرب . ففي منتصف شهر آب 1915 أنذرته السلطات العثمانية بأن أخاه هـرمز اصبح رهينــة في يدها وسوف يعدم إذا لم يستسلم مار شمعون مع زعماء الآشوريين إلى الأتراك ويمتنعون عن الاشتراك  في الحرب ضدها فكان جواب البطريرك في رسالة وجهها إلى السلطات التركية تعبيــراً عن موقفه البطولي واستعداده الدائم للتضحيـة والفداء حين قال كلمته التاريخية المشهورة التي لا يزال صداها يرن في أذان كل مناضل آشــوري شــريف .. " إني قائد شــعبي وهم أولادي كثــار فكيف أستطيع أن أسلم شعبي من أجل أخي هرمز فهو  شخص واحد فقط فلتكن حياته قرباناً لامتــه " . ثم بعد ذلك جلب هرمز الى مدينــة الموصل واعدم بالقرب من القرى الآشــورية كوسيلة أخرى للإرهاب والتخويف. ولا أحســب وجود مشــقة وعناء في استقصاء عبر البطولة العجيبة لمار بنياميــن وقدرته على التضحية في سبيل شعبه وكنيسته من كلمته هذه، خاصة عندما اعتبر كل الشــعب الآشــوري أولاده قولاً وفعــلاً. كما لا أحسب، إذا نظرنا للمسالة بنظرة موضوعية حيادية بعيدة عن عواطفنا وتصوراتها، وجود ملحمة بطولية من هذا النوع من التضحية حتى في الشعوب الأخرى خاصة عندما نعرف العلاقة القوية الحميمة التي كانت تربط مار بنيامين بأخيه هرمز، فكان من أقرب أفراد عائلته إليه يرافقه في الكثير من جولاته ومهماته. من هذا المنطلق نقول بأن اتخاذ مثل هذا القرار لم يكن بالأمر الهين بل يفوق التصور الإنساني .

2 -  وفي نفس الشهر من نفس العام سافر مار بنيامين إلى مقاطعة أورمي في شمال بلاد فارس (إيران) للالتقاء والاجتماع بقيادة الجيش الروسي في مدينة سلامس لبحث موضوع الوعود والمساعدات الروسية الموعودة للآشوريين وحسب الاتفاق المعقود بين الطرفين. وفي طريق السفر وعبر الجبال العاصية والغابات الموحشة تعرض إلى هجمات قطاع الطرق والى مطاردات القوات التركية وغارات العشائر الكردية وبعد مشاق الطريق الذي أستمر عدة أيام وليالي، لم تكن نتيجة الاجتماع بقيادة الجيش الروسي غير وعود جوفاء لم يحصل الآشوريون منها شيئاً غير المزيد من المأساة والفواجع. وأثناء الاجتماع حاولت القيادة الروسية إقناع البطريرك بالبقاء في سلامس تحت حمايتهم وتوفير الأمن والإقامة الآمنة له لضمان حياته من خطورة العودة إلى شعبه المعزول والمحاصر من قبل الأعداء، غير أنه أبى ذلك ورفض بشدة محاولات الروس حيث فضل الموت بين أبناء شعبه على العيش الرغيد بعيداً عنه، فقال للقائد الروســي كلمة  أذهلته وأذهلت المجتمعيــن أيضاً : " جئت لأنقذ شعبي لا لأنقــذ نفســي فأنا عائد إليه حتى أعيش أو أموت معه " فقفــل راجعاً متحملاً مشــاق الطريق الطويل والصعب ومخاطر نيران أسلحة الأعداء .

مرة أخرى نتلمــس بكل وضوح وجلاء استعداد مار بنيامين للتضحية، لا بأخيه فحسب بل بنفسه أيضاً من اجل شعبه ومن أجل أي يكون قريباً منه رغم شبح الموت الذي كان يخيم عليه بدلا من أن يعيش هانئاً أمناً ولكن بعيد عنه، ذلك لأنه كان يشعر بأنه منه واليه يعود مهما كانت العوائق والمصاعب ومهما كانت المغريات والحوافز. فهذه الصفات هي التي أدخلت مار بنيامين في التاريخ الآشوري ومن أبوابه الواسعة وأصبح رمزاً قومياً ودينياً لكل من يحمل صفة الآشوري بفخر واعتزاز . وهي الصفة التي تجعله وبكل حق وأنصاف الزعيم العضوي الوحيد للآشوريين في هذا القرن، أي الزعيم الذي هو جزء من الأمة، والأمة جزء منه فكل واحد منهما لم يكن بالإمكان وعلى الإطلاق أن يتواجد أو أن يعيش إلا بتواجد وعيش الآخر. هكذا نرى نقرأ التاريخ الآشـوري ليؤكد لنا بأن ضياع مار بنيامين كان يعني تشتت الأمة وتحطم نسقها الاجتماعي بين أمواج الحرب العالمية الأولى وبالتالي فرضت المأساة فرضاً مميتاً على أبناء الأمة وشتتهم بين مختلف زوايا العالم بعد أن عجزوا في إيجاد وخلق زعيم قومي وديني يوازي عظمة أمير الشهداء مار بنيامين.

3 -  في بداية شهر آذار، حسب التقويم القديم أي في 13 منه حسب التقويم الجديد ، وفي اليوم الأول من الصوم الكبير عام 1918  عقد اجتماع بين البطريرك الآشوري مار بنيامين والزعيم الكردي إسماعيل الشيكاكي، والمعروف بـ " سمكو " زعيم قبائل الشيكاك الكردية المتطرف والمشاكسة لبحث موضوع تحالف الشعبين ضماناً للأمن والاستقرار وتمهيداً لتطبيق حقهم في تقرير مصيرهم القومي بأنفسهم في ضوء المصالح المشتركة بين الشعبين والتي أفرزتها أوضاع ونتائج الحرب العالمية الأولى. وكانت روسيا البيضاء تستهدف من هذا التحالف والتي ســعت إلى ترتيبه ضمان الاستقرار في هذه المنطقة تمهيداً للسيطرة عليها عن طريق استخدام تحالف الآشوريين والأكراد لضرب القوات التركية وإيجاد موطئ قدم لها بعد الخسائر التي منيت بها من جراء وصول الشيوعية إلى السلطة في موسكو. كما لعبت الاستخبارات البريطانية دوراً كبيراً في تشجيع سمكو للاجتماع بمار بنيامين وعقد تحالف معه وذلك من اجل استغلال وحدة قواتهم لتحقيق أهدافها الاستراتيجية في المنطقة خاصة بعد أن وضعت ثقتها بسمكو الذي كان قد حلف على القرآن بأن يكون وفياً ومخلصاً للإنكليز وان يســعى بكل شرف وأمانة للاجتماع بالبطريرك الآشوري لعقد الحلف المنشود .

لقد أدرك مار بنيامين أهمية هذا التحالف مع الأكراد لضمان الأمن والسلم لشعبه التعيس بالرغم من الخلفية العدائية بين قبائل الشيكاك والآشوريين والتحذيرات التي انذر بها مار بنيامين من أن محاولة اغتيال قد تكون مدبرة له خلال الاجتماع للتخلص منه ومن إصراره على مواصلة النضال حتى أن ينال شعبه حقه في موطنه الذي طرد منه، غير أن كل ذلك لم يمنع البطريرك من الذهاب قدماً لان حبه وتفانيه من اجل إسعاد شعبه كان أقوى بكثير من مخاوف اغتياله لهذا وهب حياته ورخص دمه ذخراً وفداءً لأبناء شــعبه عندما اغتيل غدراً وخيانةً من قبل المجرم سمكو بعد انقضاء الاجتماع، وهي ملحمة مأساوية في تاريخ الآشـوريين زمعروفــة للكثير منهم. وقد ثبت فيما بعد تورط الحكومة الفارسية في عملية اغتيال البطريرك عندما عثرت القوات الآشورية التي هاجمت مقر سمكو على كتاب من حاكم تبريز يحث فيه سمكو على قتل مار بنيامين مقابل وعود واغراءات قدمتها الحكومة الفارسية لسمكو لان هذه الحكومة كان تريد التخلص من مار بنيامين بسبب رفض تجريد شعبه في أورمي من الســلاح لحين ضمان الأمن والاستقرار في المنطقة .

لقد كان البطريرك مار بنيامين رمزاً للتضامن الآشــوري تنطوي تحت ســلطته الدينيــة والدنيوية وحدة الآشوريين القومية والدينية والفكرية واستطاع أن يجمع ويوحد جميع العشائر الآشورية وان يقودهم لسنوات عديدة حتى استشهاده. فهــو وبحق وجدارة يستحق لقب البطل القومــي الآشــوري وأميراً للشهداء الآشوريين، وحسناً فعلت كنيسة المشرق الآشزرية بإحياء ذكراه في يوم الأحد السابق للصوم الكبير من كل عام واعتباره من شهداء الكنيسة وهي مسؤولية قومية أيضاً ملزمة لكل المنظمات والأحزاب الآشورية لإحياء ذكرى هذا البطل التاريخي في مسيرة النضال القومي الآشــوري ويستلزم منهم إقامة صرحاً تذكارياً له في المراكز الدينية والقومية أو تسمية إحدى الكنائس الآشورية باسمه تخليداً لذكرى أمير الشــهداء مار بنيامين. كما أنها مسؤولية المفكرين والكتاب الآشوريين للبحث والتنقيب في مغزى البطولة والاستشهاد التي أكدها مار بنيامين في التاريخ الآشــوري والتي تعد دروساً في التربية الدينية والقومية وزاداً لكل المناضلين الآشــوريين في مواصلة مسيرة النضال القومي الآشـوري .

مات واستشهد البطريرك الآشــوري مار بنياميــن ولكن بقـى وســيبقى مدى الدهــر حياً خالداً في ضمائــر كل الآشـوريين الشرفاء .

                   الجبناء يموتون كل يوم. والأبطال يبقون خالدون مع خلود الأمة .

 

تغيير: 09.15.2015

 جميع المواضيع تعبر عن آراء كتابها وليست بالضرورة رأي الموسوعة