قرى آشورية مشاريع حكم ذاتي مواقع الكترونية رياضة كتب فنون الأعلام الاشوريون فولكلور آشوري التاريخ الاشوري مقابلات وثائق مقالات الصفحة الرئيسية
 

صفحات قومية في نضال توما توماس

 

أبرم شبيرا

 

في الذكرى السنوية لرحيل أبي جوزيف

 

 أبرم شبيرا مع المناضل توما توماس، قبل وفاته ببضعة أيام

 

كلمة بالمناسبة :

زارني قبل بضعة أيام وفي عطلة نهاية الأسبوع الأديب الآشوري الدكتور سعدي المالح، وكعادتنا المستديمة تناقشنا مواضيع شتى تخص هذه الأمة، وبعد ساعات طوال ممدودة بين الاتفاق والاختلاف وبين السكوت والهيجان، انقدنا وبدون طواعية ودراية إلى موضوع المرحوم توما توماس ونضاله وبسالته ودوره في الحركة الوطنية العراقية ومكانته في المجتمع الآشوري بحيث شغل معظم حديثنا، فلم نلفت انتباها إلى طول مناقشتنا حتى اكتشفنا بأن روحه كانت تحوم حولنا وتحاصرنا من جميع الجهات وكأنه كان حاضراً بيننا، ثم لم يلبث أن اكتشفنا سر هذا الحضور الروحي والفكري لإنسان غاب عنا قبل بضعة سنوات، فتبين لنا بأنها الذكرى السنوية الثالثة لرحيله عن هذا العالم الزائل. فلا أغالي أن أقول بأن الحسرة عصرت قلوبنا نحن الاثنين اللذين عرفنا أبا جوزيف عن قرب وتبادلنا معه الكثير من الأحاديث والأفكار. ووفاءً لنضال هذا الآشوري المناضل فكرت بأن أكتب بعض الكلمات عنه، غير إنني تذكرت على الفور بأنني كنت قد كتبت موضوعاً في ذكراه السنوية الأولى ونشر في بعض المطبوعات الآشورية، وعندما راجعته وجد بأنه لا يزال يصلح لإعادة نشره، خاصة وأن ذكرى رحيل المناضل توما توماس تمر علينا في هذا الشهر.

أبرم شبيرا - لندن

توما توماس

عرفنا أبا جوزيف مناضلاً شيوعيا صلداً أمضى زهو شبابه ونضوج رجولته ووقار شيبه في مقاومة الظلم والاستبداد ومن دون أن يعرف معنى للراحة والاستقرار. عاش في الجبال العاصية مقاتلا أعداء الحرية والإنسانية أكثر مما ناضل من خلف الموائد المستديرة وفي قاعات المؤتمرات الفسيحة، قضى حياته مع رفاق الدرب أكثر مما قضاها مع عائلته وأبنائه، فكانت ساحة الوغى الدائرة على الأنظمة المستبدة حديقة منزله، فلا يهدأ له بال ولا يستقر به حال إلا في مقاتلة هذا المستبد ومناصرة ذلك المضطهد المحروم فكانت هذه الساحة أكثر من بيته وملتقـى حياته ونشـاطه وعجبـي  فهل كان له بيتـاً ثابـاً مســتقراً ..؟؟؟ .

شخصيا عرفتُ الكثير من الآشوريين الشيوعيين ودخلتُ معهم في نقاشات طويلة ووطيسه حول الماركسية والشيوعية وموقفهما من مسألة القوميات بشكل عام والقضية الآشورية بشكل خاص وأثرتُ غضب وهيجان الكثير منهم بسبب انتقادي الحاد للمواقف المتذبذبة للحزب الشيوعي العراقي حيال القضية الآشورية في العراق، والتي كانت تتراوح هذه المواقف وتتأثر بمدى قرب أو بعد هذا الحزب من السلطة السياسية. فعندما يكون في المعارضة مقاوما للأنظمة الاستبدادية، سواء بالكفاح المسلح أو بالنضال السياسي ، تكون مسألة الاقليات عنده، بما فيها الآشورية منها، مسألة تقدمية والدفاع عنها ضرورة نضالية تفرضها أيديولوجية الحزب. وعندما يشم رائحة السلطة ويبدأ بالتلذذ بامتيازاتها تصبح مسألة الاقليات عنده بما فيها الآشورية، مسألة رجعية وشوفينية يستوجب مقاومة النزعات القومية فيها ودمجها في السياسة العامة للدولة مهما كانت طبيعة النظام السياسي الحاكم. وهذا ما حدث في بداية السبعينات عندما دخل في الجبهة المشؤومة مع حزب البعث الحاكم في العراق وشارك، أو على الأقل سكت على، السياسات الاستبدادية لحزب البعث الحاكم تجاه الآشوريين مما أدى بهم إلى الشعور بنوع من الخيبة تجاه الحزب الشيوعي العراقي الذي ظل وعلى الدوام رافعا شعارات إنسانية وتقدمية كانت من القوة لجذب الآشوريين والانضمام إليه أو التعاطف معه في سنوات نضاله السلبي، فأدرك الآشوريون القوميون بأنهم خسروا أحد أقوى دعاة الحرية والديمقراطية في العراق. وتطبيقات هذه السياسة السلبية تجاه الآشوريين كانت ملموسة في النشاطات القومية والثقافية للمجتمع الآشوري في تلك الفترة فأتذكر، على سبيل المثال لا الحصر، بأن حدة مناقشاتنا مع بعض الآشوريين الشيوعيين، أثناء الأيام الذهبية للنادي الثقافي الآشوري في بغداد، وانتقاداتنا إلى الجبهة التي انضم إليها الحزب الشيوعي العراقي وصلت إلى درجة تهديد أحدهم بتبليغ سلطات الأمن العراقية عن مواقفنا السلبية تجاه الجهة والمشاركين فيها مقلدا بذلك رفاقه الآشوريين البعثيين المعروفين بقدرتهم الفائقة على الخيانة والوشاية لرجال الأمن عن الآشوريين القوميين. وتطبيقا أخر لهذه السياسة الشيوعية السلبية تجاه الآشوريين تمثلت أيضا في تلك الفترة وأثناء إنتخابات النادي الثقافي الآشوري، الذي كان مركزاً لاستقطاب الآشوريين المثقفين في العراق، ففي نهاية عام1970 تآلف الآشوريون المنظمون إلى الأحزاب ، البعث العربي والشيوعي العراقي والديمقراطي الكردستاني، في قائمة موحدة لمنافسة قائمة الآشوريين القوميين والمستقلين، إلا أن هزيمة جميعهم كانت ثقيلـة. (للمزيد عن هذا الموضوع أنظر كتابي المعنون : النادي الثقافي الآشوري ، مسيرة تحديات وإنجازات ، 1970-1980 ، ألفا غراف شيكاغو ،1993، ص 21) .

ولكن كل هذا لا ينفي إطلاقاً حقيقة مفادها كون معظم الآشوريين المنظمين إلى الحزب الشيوعي العراقي من أكثر الآشوريين عمقا من حيث الثقافة السياسية والفكرية، وهي الصفة التي جعلتنـي شــخصيا أن أكن لمعظمهم احتراماً كبيراً وأن أصون معهم صداقة متينـة ومستديمة لم يزعزعها الاختلاف الفكري القائم بيننا. غير أن أبا جوزيف، رغم انضمامه إلى الحزب الشيوعي العراقي وتسنمه مناصب قيادية عليا فيه، كان استثناءً ومن طراز خاص لا يضاهيه في هذا الاستثناء والخصوصية إلا فريدون آتورايا ، خاصة من حيث غزارة إنتاجه الأدبي والفكري ، فهذا الأخير كان أيضا منتميا الى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الشيوعي السوفيتي فيما بعد، إلا أن ذلك لم يمنعه من أن يكون مناضلاً قومياً صلداً ومحارباً شجاعاً في سبيل وحدة وسعادة أبناء أمته حيث ضل رافعاً شعار " آشور حرة " حتى تمكنت منه سلطات ستالين الاستبدادية فأعدمته في عام 1926. وأبو جوزيف، وأن كان عاصياً ومقاتلاً الظلم والاستبداد ومطارداً من قبل الأنظمة التي تعاقبت على السلطة في العراق ولم يستقر به المقام بشكل دائم في مكان ما وبالتالي لم تسنح له فرصة كتابة صفحات نضاله، وهي المسألة التي لمست شخصيا فيه نوع من التقصير فيها بحيث كان يؤنب ضميره وعلى الدوام ، إلا انه " هل يخفى القمــر على الناس " حتى يخفى علينا نضاله وبسالته في الدفاع عن الشعوب المسحوقة والمضطهدة ... وهل كان هناك شعب أكثر اضطهاداً وانسحاقا من الشعب الآشوري في العراق .؟؟ هذه الحقيقة جعلت من أبا جوزيف أن يكون دائماً وأبداً بالقرب من هذا الشعب متحسساً بمعاناته ومتألماً من حرمانه لأبسط حقوقه السياسية والقومية ومدافعاً عنه، مهما كانت مواقف الحزب الذي كان ينتمي إليه ، لهذا السبب نال احترام وتقدير معظم فئات الشعب الآشوري بجميع طوائفه وتفرعاته.

وعظمـة المواقف الشجاعة لهذا المناضل تجاه شعبه الآشوري واضحة وملموسة لأبسط مطلع على شؤون هذه الأمة، وهي كثيرة جدا بحيث لا يسعها حتى المجلد الضخم. وللاستشهاد أشير إلى الوقفة البطولية الشهمة التي وقفها في معركة ألقوش عام 1963 واصطفافه مع القائد الآشوري الشجاع هرمز ماليك جكو في نصرة أهل هذه البلدة  والدفاع عنها من هجوم قوات الحلف الشيطاني الذي كان قائماً بين مصاصي دماء الشعوب " الحرس القومي " التابع لحزب البعث الحاكم وأحفاد هولاكو و تيمورلينك من الفرسان المعروفة بـ " الجحوش " والمدعومة من قبل  قوات شرطة وجيش النظام البعثي الحاكم في العراق وقتذاك وغيرهم من الحاقدين على هذه البلدة العريقة وعلى أهلها الشهماء، فكانت وبحق ملحمة بطولية أعجز شـخصيا وصف البسالة التي تميز بها هذه المواقف، فغيـري من أبناء هذه البلدة كتبوا عنها في مناسبات عديدة وفي أماكن أخرى. ومن المآثر القومية الأخرى لأبي جوزيف، والتي لي معرفة خاصة بها ، تتمثل في دعمه الكبير واللامحدود للحركة الديمقراطية الآشورية (زوعا) في العراق، فعندما التحقت هذه الحركة بركب الكفاح المسلح واصطفت مع بقية الحركات الوطنية، من كان غير توما توماس الشهم والمعلم الأول في هذا الأسلوب من النضال أن يمد لها يد العون والإرشاد في وديان وجبال آشــور العاصية وظل كذلك وعلى الدوام بحيث لم تمر فرصة وألتقي شـخصيا بقياديي هذه الحركة إلا وأمطروا أبا جوزيف بوابل من المديح والامتنان مكررين وعلى أسماع الجميع الدعم الكبير الذي قدمه لهم هذا المناضل الآشوري الكبير في هذا المجال.

وشخصياً عرفتُ أبا جوزيف معرفـة صميميـة ، عرفته كإنسان آشـوري قومـي أكثر مما هو شــيوعي وأممـي، فانتمائه إلى هذه الأمة واعتزازه بها لم يكن أبداً يتعارض أو يتناقض مع شيوعيته، فبغنى عن تاريخ صفحات نضاله السياسي الذي تتداخل فيه أبعاد إنسانية ووطنية وقومية تجعل من المضطهدين والمحرومين، والذي كان قد وضع الآشوريين في مقدمتهم، في جبهـة والمستبدين والظالمين في جبهة أخــرى. فبغنى عن هذه الصفحات المعروفة للداني والقاصي، فأن له صفحات أخرى في المسائل القومية نوء سف لها عميق الأسف لان المنيـة منعته من إكمالها وتطبيقها على الواقع العلمي. فبعد أن زار الولايات المتحدة الأمريكية وكندا في عام 1994 وأستقبل هناك استقبال الأبطال من قبل أبناء شعبنا الآشوري ومن جميع الطوائف الكلدانية والسريانية والمشرقية، وبعد أن عقد عدة لقاءات وندوات توصل إلى قناعات ثابتة زادت من إصراره واهتمامه بمشاكل شعبه في الداخل والخارج وتحسس وبعمق المعاناة التي يواجهها الشعب الآشوري في بلدان المهجر من تمزق طائفي وعشائري وقـريوي. كما أدرك أدراك المدرك السياسي الواعي للقدرات الكامنة في هذا الشعب وقوة فاعليتها فيما لو وضعت على الطريق الصحيح في دعم الحركة القومية الآشورية المتصاعدة في أعالي بيت نهرين .

وعندما عاد إلى الوطن لم تكن مسألة شغلت باله واهتمامه طيلة تاريخ نضاله الطويل أكثر مما شغلت مسألة وحدة الشعب الآشوري والعمل على وضع منهاج أو آلية عمل لتحقيق هذا الهدف أو السعي لتحقيقه، فبادر بالاتصال بـي مرسلاً العديد من الرسائل ومقدما الكثير من المقترحات بشأن هذه المسألة ثم أعقـب ذلك عدة لقاءات واجتماعات شـارك في جانب منها أيضا السكرتير العام للحركة الديمقراطية الآشورية وبعض العناصر القيادية من المنظمات الآشورية الأخرى كما حضر قسم منها المناضل "الآشوري" العضو في قيادة حزب الشيوعي العراقي "أبو عامل " وحضر الجميع بصفتهم الشخصية وليس بصفتهــم التنظيمية والحزبية. تركزت هذه اللقاءات في معظمها على مسألتين، الأولى: التسمية ، خاصة التسمية أو الصفة القومية التي يجب أن يظهر به منهاج العمل أو المنظمة المزمع تأسيسها، والثانية : الطبيعـة الهيكلية لهذا المنهاج أو المنظمة. فمن خلال هذه اللقاءات تم اكتشاف صفات أخرى عن أبي جوزيف فهو من القلائل الشيوعيين الذي يملكون رحابة صدر عجيبة وغريبة في تقبل الآراء الأخرى والاستماع إليها بشغف واهتمام ومن ثم فهمها واستيعابها ومن دون أن يفرض أو يقيم الأمور وبالضرورة ووفق عقيدته الشيوعية، خاصة عندما تكون متعلقة بمسائل تساهم في الجهود المبذولة نحو وحدة الشعب الآشوري، لهذا نرى منذ البدء كان يقبل تقريبا معظم الآراء المطروحة والهادفة لتحقيق هذا الهدف القومي النبيل. ففي هذه اللقاءات شـددتُ على ضرورة أبعاد التسميات الطائفية من منهاج العمل والاقتصار فقط على التسمية القومية الأكثر قبولاً سياسياً وتاريخياً ومن دون الدخول في المرادفات الأخرى لهذه التسمية التي اصطبغت بصبغات طائفية، فكان هذا الموضوع المنطلق الذي انتقدتُ وبشدة سياسة حزب الشيوعي العراقي في تأسيسه لفرع "كلدو وآتور" مذكراً إياه بأن الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية التي يتهمها هذا الحزب بالرجعية هي أكثر تقدمية منه لأنها سـعت إلى رفع هذه التسمية وإلغائها من تسمية الكنيسة فكيف والحال مع هذا الحزب الذي يوصف نفسه بأنه أكثر تقدمية من غيره من الأحزاب وهو منغمساً في التسميات الطائفية ومراعياً مشاعر الطائفيين المرهفة التي تمزق مجتمعنا الآشوري تمزيقاً مؤلمـاً. غير أن المنيـة حالت دون تحقيق أبا جوزيف للعهد الذي قطعه على نفسه بأن يعمل شـيئاً من أجل تصحيح وضع هذا الفرع وبما يخدم وحدة الشعب الآشوري. وأملنا  بالآشوريين الذين هم في مواقع قيادية في هذا الحزب أمثال "أبو عامل " و "أبو نضال" في تحقيق أمنية رفيقهـم.

لهذه الأسباب كان الاتفاق معقوداً على ضرورة إبراز الصفة القومية على أي تنظيم مزمع تأسيسه مهما كانت ردود فعل الطائفيين والعشائريين والخائفين من التصريح عن انتماؤهم القومي. وكثيرا ما كنتُ أمازح أبا جوزيف بشأن تردد الكلدان وتخوفهم من انتماؤهم القومي الآشوري وأقول له " أنتم أبناء ألقوش البلدة الآشورية العريقة لو تم تحليل دمكم في المختبر لتبين بأنه نفس الدم الذي كان يجري في عروق السلالة الآشورية الملكية التي أنجبت سنحاريب وأشور بانيبال  وغيرهم من جبابرة ملوك آشور ..!!! .

أما بخصوص المسألة الثانية المتعلقة بطبيعة الهيكل التنظيمي للمنظمـة فهي الأخرى شملتها مناقشات حادة وعميقة وطويلة دارت حول رفض الأساليب الشيوعية التقليدية السائدة في التنظيمات الآشورية والقائمة على أساس الخلايا واللجان والأقسام والفروع والتي لا يصلح تطبيقها إطلاقا على المجتمع الآشوري المنتشر في أرجاء مختلفة من العالم والذي تمزقه عموديا إلى طوائف صلدة يصعب اختراقها بشكل مباشر إلا بأسلوب آخر  يقوم على إعفاؤها من الالتزامات الحزبية والتنظيمية من جهة وربطها بالتزامات قومية وأخلاقية تجاه أبناء جلدتهم من جهة أخرى، خاصة بالنسبة للمترددين أو الذين ينشطون أو يتحركون فقط أثناء تصاعد المد القومي ويرغبون أن يكون لهم مكاناً في قطاره ، كما يحدث أثناء تصاعد الاحتجاجات  ضد اغتيال أحد الآشوريين في شمال بيت نهرين أو أثناء فترة الانتخابات التي تتطلب التكاتف ضد القوى الأخرى كما كان متوقعاً أجراء هذه الانتخابات في هذه المنطقة أو كما يحدث ألان من تصاعد بوادر أمل أيجاد سبل تحقيق وحدة الكنائس الآشورية. من هذا المنطلق كان قد تم الاتفاق على أن تكون نوعية الهيكل التنظيمي للكيان المرتقب كياناً لا جماهيرياً عضوياً بل نخبوياً يأخذ شكل لجنة أو رابطة أو تجمع أو هيئة تقتصر في المرحلة الراهنة على العناصر النشطة والفاعلة على الساحة السياسية والثقافية يتم تحديدها واختيارها بالتعاون والتنسيق مع المنظمات الآشورية الناشطة في معظم الطوائف وتقوم بنشاطات هدفها الأساسي إنماء الوعي القومي السياسي بين صفوف جميع الطوائف الآشورية خاصة المترددة والمتذبذبة في انتماؤها القومي لحشدها في المناسبات والأوقات العصيبة التي تتطلب جهود ومواقف موحدة من قبل الأكثرية لحين حلول الوقت الذي تتبلور الحركة القومية وتتحدد معالمها بشكل أوضح بحيث  تتسـع لكل الأحزاب والمنظمات والشخصيات القومية من دون حدود طائفية أو عشائرية أو قريوية .

وبانتهاء هذه المسائل كنـّا قد أقفلنا لقاءاتنـا بأمل اللقاء في مرحلة تحديد أسماء العناصر المطلوبة لهذه المهمة ودعوتهم للمشاركة في تحقيقها .. ولكن نعم .. ولكن للأسف الشديد كان الموت أول المدعوين فحضر بيننــا واخذ معه توما توماس الأب الروحي لهذه الفكرة وأوراقنا كانت ولا تزال متناثرة هنا وهناك تنتظر عودتـه لا بشحمه ولحمه بل بروحه وفكره وإصراره على مواصلة النضال من اجل وحدة أبناء شعبه. لقد كان أبو جوزيف  صادقاً كل الصدق عندما كان  يرفض رفضاً قاطعاً دعوتي نحو التمهل والصبر والتفكر العميق  في خلق هذا التنظيم وبالشكل الذي يجب أن يكون مفهوماً و مقبولا بحيث لا يفهمه الناس على انه كغيره من التنظيمات الأخرى التي خلقت من أجل الأقوال لا الأفعال ، فكان يرد بنوع من النزق " ألا ترى يا أبـرم بأنني قد بلغت العقد الثامن من العمر وأن الشيب قد غزا رأسي بالكامل وهل تريد مني الانتظار .. وإلى متى سأعيش ؟؟  فكنت أخفف من نزقه وأقول له " المهم يا أبا جوزيف أن تزرع البذرة وهناك من سيأتي ليسقيها ويرعاها ويحرسها ثم تأتي الأجيال القادمة فتحصدها وتجني ثمارها " .  هكذا عرفتُ أبا جوزيف مناضلاً آشورياً صميماً عنيداً في مقاومته للظلم والاستبداد محباً لشعبه حباً عظيماً بسيطاً في حياته وفي أسلوب تعامله مع الآخرين وذو حساً مرهفاً بمعاناة هذه الأمة ساعياً مخلصاً للتعاون مع الجميع وبذل المستحيل لتحقيق وحدتها، وهو الحلم الذي منعه الموت من السير على طريقـه. نعم ... مات أبو جوزيف موتاً طبيعياً، وحتى بموته هذا، سحق قلوب الطغاة وأرباب الأنظمة الاستبدادية لأنهم لم يتمكنوا منه ومن اغتياله أو لوي ذراعه أو إخماد نيران ثورته وإصراره على النضال رغم ترصدهم الدقيق ومطاردتهم المستمرة له طيلة عقود طويلة نعم لقد مات توما توماس ولكن هل ماتت ألقوش البلدة الآشورية العريقة التي أنجبته .. لا ولا ولن تموت .. ألقوش عام 1933 التي عرفناها بوقفة شيوخها ورجالها ونسائها وأطفالها، وقفة الأبطال المدافعين عن الآشوريين من الطائفة المشرقية الذين احتموا بها هربا من مذابح المجرم بكر صدقي والصامدين أمام قوات جيشه التي حاصرتها عدة أيام وهددتها بقصف البيوت بالمدافع وهدمها فوق سكانها، ولكن أبى شموخ أهلها البسلاء التخلي عن أخوتهم في الدم فضلوا متأهبين صامدين حتى سحبت الحكومة العراقية قواتها المنتشرة حول ألقوش. وهذه أسطورة بطولية في التاريخ الآشوري المعاصر ، سمعت جانب منها من جـدي الذي كان من ضمن المحتمين بهذه البلدة، تنتظر أقلام المفكرين والكتاب الآشوريين لاستخلاص منها دروس  في الصمود القومي الآشوري وفي الوحدة القومية ووحدة المصير. هذه هي ألقوش التي أنجبت خيرة الكتاب والمفكرين وأثمرت عراقتها التاريخية والفكرية بولادة عائلة "أبونا " التي قادت الأمة والكنيسة لقرون طويلة ... هذه هي ألقوش التي أنجبت الـ" توماين "، توما أودو و توما توماس، وعهدي بها بأنها قادرة على إنجاب ألف وألف توما أخر .

 

تغيير: 09.15.2015

 جميع المواضيع تعبر عن آراء كتابها وليست بالضرورة رأي الموسوعة