قرى آشورية مشاريع حكم ذاتي مواقع الكترونية رياضة كتب فنون الأعلام الاشوريون فولكلور آشوري التاريخ الاشوري مقابلات وثائق مقالات الصفحة الرئيسية
 

مار آبا الكبير (540 - 554 )

 

مار آبا الكبير يعتبر واحدا من اعظم البطاركة في كنيستنا. وقد وصفه المؤرخون "نور كنيسة فارس" حتى المؤرخ الكاثوليكي د. فورتسكيو يرى انه كان مطرانا ممتازا. مع انه لا يعتبر اديبا عظيما كمار نرسي ومار ابرم، ان روعة ادبه تظهر في كتاباته. لكن سيرة حياته منحته مكانا بارزا ومشرفا بين بطاركة كنيستنا.

في شبابه كان ضد المسيحية. ومن اتباع الديانة المزدية ومن المؤكد انه عبد اله النار. رواية تحوله هي دليل قاطع على عدائه للمسيحية كما كان القديس بولس قبل تحوله. لكن الرب هو الذي جعل هذا الشاب المزدي يتحول الى المسيحية ويخدم الكنيسة الشرقية الرسولية المقدسة في اعلى منصب فيها.

 ان كلمة آبا تعني بالاشورية الاب. وتلفظ آوا، بسبب ان آبا كان مزديا فمن المؤكد انه كان يحمل اسما آخر قبل ان يصبح مسيحيا. كوزموس انديكو-بلوستس الذي زار الهند وكان معاصرا لمار آبا يشير اليه بتسمية باتريكيوس. وهو قريب بمعناه الى باباخان الفارسية. من المحتمل ان آبا لم بكن بريد ان يكشف بانه كان مزديا. لهذا غير اسمه الفارسي باباخان.

بالرغم من كونه مزديا غير متحمسا فمن المحتمل انه لم يكن من طبقة المجوس. بالنسبة لعمله فان كتاب "حياة مار آبا" يذكر بانه تقلد وظيفة مرموقة في الدولة. من المحتمل انه مساعدا في دائرة مسح الاراضي في الحكومة. يعلق احد العلماء الحديثين "هذا يفسر اهتمام آبا بالجغرافيا، كما يشير الى ذلك كوزموس، وقد رأينا الاهمية التي يوليها خسرو الاول لعدالة جمع ضريبة الاملاك."(1)

بعد ان تلقى العماد المقدس في الحيرة من معلمه يوسف، ذهب الى نصيبين للدراسة في مدرستها اللاهوتية الشهيرة التي اسسها مار بر صوما ومار نرسي. ذهب بعدها الى اديسا حيث درس اللغة اليونانية على يد معلم اسمه توماس. هذا المعلم ساعد مار آبا في ترجمة تعاليم مار نسطورس ومار ثيودر المفسر من اللغة اليونانية الى اللغة الاشورية. ومن اديسا توجه الى القسطنطينية بين 525 م. و 533 م.  هناك واجه صعوبة آخرى. انه المكان الذي كان فيه مار نسطورس بطريركا لفترة قصيرة (428م.-431م.). بالرغم من مرور قرن كامل، الا ان العداء للنسطورية ما زال غالبا في القسطنطينية. حيث طلبوا منه ان يشجب ثيودر الموبسويستي (المعروف بالمفسر) وباقي معلمي النسطورية. لكنه رفض ان يفعل ذلك. بل حافظ على ايمان آبائنا، الذي سبق  زمن نسطورس. عندما شعر ان حياته في خطر، فر مار آبا ومعلمه توماس من القسطنطينة قاصدا نصيبين.

  اشتهر مار آبا في نصيبين كمعلم ومبشر متحمس. وقد اظهر تحمسه منذ ايام تلقيه العلم في المدرسة في نصيبين. ترك الدراسة لبعض الوقت، وذهب مع معلم المدرسة الذي رسم حديثا كأسقف، الى ابرشية أرزون، حيث قام بالتبشير هناك وهدى الوثنيين الى المسيحية، ليعود بعدها ويكمل دراسته اللاهوتية. يا له من مثل رائع: علينا ان نسال انفسنا، اذا كنا نشعر بنفس الاصرار على هداية الغير مسيحيين كما كان يشعر بها طالب اللاهوت في مدرسة نصيبين؟ ام اننا لا نثمن هكذا جهود؟ ان مار آبا يضعنا امام التحدي باعادة تقييمنا لمهمة التبشير في كنيستنا.

في العام 536 م. تم اختياره بطريركا لكنيسة المشرق خلفا لمار بولس الذي كان عهده البطريركي قصيرا جدا. اثناء فترة الستة عشر عاما المباركة من عهده البطريركي، قام بجولات رعوية الى مناطق مختلفة تابعة لسلطته البطريركية، ليصلح المخالفات في ابرشياتها، حيث بدأ المسيحيون يقلدون جيرانهم الوثنيين. عقد مجالس الاصلاح. و مجمعه المنعقد عام 544 م. هو احد المجامع المهمة في كنيستنا. يذكر مار اوديشو الذي عاش في القرن الرابع عشر هذا المجمع في سجل المجامع. الترجمة الفرنسية لهذا المجمع لمار آبا تطلق عليه المجمع السادس في كتاب المجامع الشرقية الذي كتبه جي. ب. تشابوت في باريس عام 1911. كان مار آبا يقف بشدة ضد زواج الاساقفة والرهبان والراهبات.  

 كان مار آبا حريصا على النظام صارما. مباشرة بعد انتخابه بطريركا على كنيسة المشرق في كانون الثاني 540 م.  تفقد الابرشيات التي عانت من خلافات الرعية مع زملائه الاساقفة، حيث اتخذ القرارات الصارمة. في ريفاردشير حيث كان يتنافس فيها اسقفين، اليشا و نرسي. صرف الاثنين من الخدمة وعين بدلهما شخصا كفؤا. في جندشابور كان هناك شخصا اسمه ابراهيم اصبح مطرانا بطريقة غير شرعية. وتصرف بمقتنيات الكنيسة بشكل غير سليم. هذا المطران اللااخلاقي حاول ان يكسب البطريرك الى صفه. لكن القديس مار آبا دفعه الى توقيع قرار اقالته الشخصية. هذه الحوادث اظهرته حديا ومتحمسا للحقيقة والعدالة. هذه الملاحظات التي رصدها الاسقف البروتستانتي باكيستن في بحثه لنيل شهادة الدكتوراه تستحق التدوين.

ربما كان مار آبا اكثر بطاركة كنيسة المشرق براعة وحكمة، في ممارسته الانظباط في الكنيسة، وفي علاقته مع الدولة. من المؤكد انه كان الاكثر طهارة وورعا بين البطاركة العظام. احدى مزاياه الاجتماعية ربما كانت حسن مجاملته، بالرغم من معاناته وعذاباته المستمرة والمتكررة الا انه كان قادرا على تجاوزها. كان مستعدا لتحمل كل انواع القسوة على القبول بتجاوز تعاليم الكنيسة وحقوقها.(2) 

انجازاته الادبية ايظا لم تكن قليلة، فقد كتب عدد من التراتيل التي نترنمها في صلواتنا المسائية ايام الثلاثاء، موجودة في الصفحة 126 من كتاب الصلوات (قدم وواتر). العلامة الدكتور رايت كتب عن مار آبا "يبدو انه رجل ذو موهبة عظيمة حيث تمكن وباقتدار كبير في اللغتين الاشورية واليونانية(3).

في مطالعتنا لمستندات ومراجع المطران مار اوديشو نستطيع ان نشهد ان مار آبا كان كاتبا جيدا، بالرغم من ان جميع كتبه مفقودة في الوقت الحاضر. ان الفقرة التي كتبها مار اوديشو يمكن ترجمتها بالشكل التالي:-" مار آبا الكبير، ترجم العهد القديم من اللغة اليونانية الى اللغة الاشورية. وكتب تفاسير لاسفار التكوين والمزامير والامثال، ولرسالتين الى اهالي كورنثوس ولثلاث رسائل (افسس و فيلبي و كولوسي) ولرسالة الى العبرانيين. كتب مقالات و عظات دينية وقوانين كنسية والقوانين الدينية في المزامير، والرسائل السنودسية، حسب الترتيب التاريخي للقوانين الادارية الكنسية والقوانين الكهنوتية"(4)

كان الاضطهاد بانتظار هذا البطريرك. كنتيجة للحرب ضد الامبراطورية الفارسية في 540-545 م. كان هناك اضطهاد للمسيحين، لكنه لم يكن بضراوة اضطهاد القرن الرابع على يد شابور الثاني.  الملك خسرو الاول نفى مار آبا الى اذربيجان، وقام بهدم الكنيسة القريبة من قصره في ساليق.

في عام 549 م. عندما كان مار آبا مقيما في منفاه في اذربيجان، قام كاهن معزول اسمه بطرس كوركنارا (الذئب) تآمر مع الكهنة المزديين ضد مار آبا. لكن المسئولين المحليين لم يصدقوهم ورفضوا ان يتخذوا اجراءا ضده. بسبب ذلك حاول بطرس ان يقوم بهجوم ليلي على المكان الذي كان البطريرك فيه سجينا. تم كشف المهاجمين وردهم قبل ان ينفذوا جريمتهم.

حس مار آبا بان اعداءه سيغتالونه ان عاجلا او آجلا. كانت هناك اشاعة بانه قُتل وهو يحاول الهرب من السجن. فقرر الهرب الى العاصمة ليقابل الشاه. في احدى ليالي منتصف الشتاء وبرفقة تلميذه وارشاد اسقف اذربيجان فر من فاروق - اتور. عما حدث له في 550 - 551، نجده مدونا في تاريخ سعرد بالعربية وبالشكل التالي:

حضر مار آبا في ديوان الملك. اخبروا الملك بقدومه، فبعث اليه رسالة كتب فيها "ألم يكن عليك البقاء في المكان الذي نفيتك اليه؟" "لقد هربت" رد عليه مار آبا "كي لا اُقتل بقسوة، اذا قتلوني في السر،  فمن سيكون المسئول؟ فاذا اراد الملك فليحكم علي بالموت . . ."  فقال الملك "اخرج من هنا"(5).

في العاصمة قطيسفون، التجأ مار آبا الى معبد للمزديين. حيث سمح له الملك ان يتمتع بحرية نسبية. لكنه حين حاول ترك الملجأ، القى المجوس القبض عليه. فأصدر الملك امره يمنع قتل البطريرك. فألقوا به في سجن قصر الملك مكبلا بالسلاسل في عنقه ويديه وقدميه. 

في ربيع 550 م. ذهب الشاه الى اذربيجان، أخذ معه البطريرك وتلميذه كسجناء. هناك منحه حريته بشرط ان لا يقوم بهداية المجوس الى المسيحية. رفض البطريرك الارادة الملكية، فاثقلوا السلاسل عليه. عند عودة الشاه الى العاصمة بعد رحلة 1400 ميلا، اظهر شفقة ورحمة بالبطريرك حين امر بازالة قيوده. على ان يظل رهن السجن. لكن الجنود لم يفكوا قيوده. في ربيع 551 م. ذهب الملك في رحلة الى مدينة ، فأرسل احد جنوده لازالة قيود البطريرك.

في غضون ذلك حدث ما ازعج الملك، فقد تمرد اكبر ابناءه عليه. عندما اسمع ابنه نوشاد اشاعة بموت الملك عندما كان مريضا، وبدون التأكد من صحتها، اعلن نفسه ملكا. نوشاد هذا كان مسيحيا على دين أمه. الملك خسرو لم يكن يرشح هذا الابن خلفا له. اعلن نوشاد مملكته في بيت لافاط (جندشابور) بمساعدة مسيحيي المدينة.

استغل المجوس هذه الحادثة لقتل البطريرك. قيدوه بالسلاسل واقتادوه الى محكمة الملك الذي كان منزعجا من مساعدة المسيحيين لابنه، فبعث رسالة مع خادمه المسيحي زادوق، يتهم فيها البطريرك بمسئولية تمرد ابنه المسيحي، كتب الملك "لهذا السبب، سأمر فورا بقلع عيونك والقاءك في قناة مائية لتموت فيها"! لاحقا هدأ غضب الملك. فكتب الى البطريرك مسترضيا

"انها ارادتي، ان تكتب الى اهالي جندشابور بألا يدعموا هذا الفتى المجنون." كتب البطريرك اليهم محرما اذا بقوا على موقفهم، ادى ذلك الى انفصالهم عن ابن الملك. وفتحوا بوابات جندشابور لجنود الملك الذين لم يكونوا يستطيعون دخول المدينة. الملك واعوانه ادهشتهم هذه الطاعة، وهذه الخشية من التحريم الكنسي(6).  

كتب البطريرك الى مسيحي بيث لافاط لطاعة الملك خسرو وليس ابنه المسيحي، محذرا بان كل المخالفين سيعدمون سواء كانوا مجوسا او يهود او مسيحيين. حصل البطريرك بعد ذلك على حريته.

في هذا الوقت، احتاج المغول الى اسقف، فارسلوا احد الكهنة كمبعوث لحاكمهم الى الملك والبطريرك، فرح الملك عندما علم بان البطريرك كان رئيسا للمسيحيين المغول ايضا. امر الملك البطريرك بان يرسم الكاهن اسقفا على المغول. كذلك امر باقامة الزينة بما يلائم المناسبة. عاد بعدها البطريرك الى كاتدرائيته في ساليق بعد غياب دام ثمان سنوات، كانت فرحة كبيرة لاتباعه المسيحيين.

صحب الملك البطريرك معه عند ذهابه للقبض على ابنه المتمرد. بعد العودة الى العاصمة. سمح الملك للبطريرك من الاقامة بالقرب من قصره في ساليق. الكثير من الوجهاء الاجانب الذين زاروا الملك قاموا بزيارة البطريرك ايضا. لم يستمتع البطريرك بها المكانة لفترة طويلة. فقد انهكه المرض بسبب السجن. ارسل الملك طبيبه الخاص ليعاين البطريرك. في 28 - شباط، 552 م. مات البطريرك، ودفن في ساليق. يمكننا تلخيص دراستنا بملاحظات اسقف بكيستن، وليم يونك عن الاعمال الجليلة التي قام بها مار آبا.   

ان سيرة حياة مار آبا خير دليل على عظمته، هناك ملاحظات مهمة فنحن نقف مشدوهين، رغم التسامح الذي يبديه الملك، نجد البطريرك غير آمنا، تقريبا وليس في كل الاوقات، تحت رحمة المجوس. يعود ذلك بالدرجة الاولى الا انه نفسه كان كان مهتديا (اي متحولا) الى المسيحية. الواضح ايضا ان مار آبا دفع ثمن اصراره على حق الكنيسة في التبشير. كذلك تددهشنا حقيقة ان مار آبا كان مستعدا وبدافع ولائه للملك ان يجمع الضرائب من المسيحيين على عكس مار شمعون بر صباعي، واظهر استعداده ليكون مرنا في الامور غير الجوهرية. كذلك نحن مدركين لكون مار آبا عمل في مجتمع كان يتودد للمسيحيين، وان عددهم في البلد كان منافسا للمزديين. ان اتفاقية عام 410 م. لم تمنح حرية هداية اصحاب الديانة المحلية، لو كانت الاتفاقية قد سمحت بذلك. لاصبح المسيحيون القوة المسيطرة في البلد. حاول مار آبا كل جهده ليضمن ذلك، ان ثباته ورسوخه على هدفه يفرضان علينا الاعجاب(7).  

يعرف بمار آبا الاول لتمييزه عن مار آبا آخر كان بطربركا من 743 - 751 م. وكذلك يطلق عليه مار آبا الكبير تمييزا عن مار آبا الثاني. لقد كان عظيما حقا. ان سيرة حياة هذا المبشر التقي الذي اهتدى الى المسيحية يجب ان تكون مثلا نحتذي به جميعا.

 (1)وليم يونك، "البطريرك والشاه والخليفة" ص 61

          (2) نفس المصدر ص 59

          (3) رايت، تاريخ الادب السرياني، ص 116

          (4) "مركنيثا"، الموصل، 1924، ص70

          (5) مقتبسة من كتاب وليم ج يونك، البطريرك والشاه والخليفة، 1974، ص 69

          (6) نفس المصدر السابق، ص 71

          (7) نفس المصدر السابق، ص 72

 

 

تغيير: 03.14.2019

 جميع المواضيع تعبر عن آراء كتابها وليست بالضرورة رأي الموسوعة