قرى آشورية مشاريع حكم ذاتي مواقع الكترونية رياضة كتب فنون الأعلام الاشوريون فولكلور آشوري التاريخ الاشوري مقابلات وثائق مقالات الصفحة الرئيسية

 

سيرة حياة البطريرك الشهيد مار بنيامين شمعون

 قداسة البطريرك مار دنخا الرابع يروي سيرة حياة قداسة البطريرك الراحل مار بنيامين شمعون بتاريخ 18-تشرين الاول - 1987، قائلا:

مار بنيامين شمعون، الجاثليق البطريرك لكنيسة المشرق للاشوريين، كان في سن الواحدة والثلاثون عند اغتياله فقد خلف سلفه في سن الثامنة عشر ولمدة خمسة عشر عاما شغل المنصب البطريركي في قودشانس. اما امه فهي "اسيت" ابنة قمبر من "ايل" وهوماليك اشوري وشماس في كنيسة المشرق ووالده هو ايشاي سليل العائلة البطريركية. تلقى تعليمه الابتدائي على يد استاذ من تخوما اسمه داوود الذي كان شماسا في كنيسة المشرق ثم تُوج اسقفا باسم مار ابرم الذي كان بالاظافة الى علمه الغزير معروفا بالتقوى والاخلاص. لم يتلق البطريرك تعليما افضل من الذي تلقاه على يد استاذه كذلك استغل فرصة وجود مبعوثي ارسالية كنتربري الاسقفية في قودشانس، وحصل على معرفة غير قليلة من  هؤلاء المبعوثين المثقفين. ان منصبه الرفيع الزمه ان يتبحر في العلوم اللاهوتية والكنسية وكذلك ان يكون مطلعا على العلوم السياسية والدبلوماسية الدولية.  فقد كان محظوظا في هذا المجال حيث وجد المعلمين الانكليز الواسعي المعرفة في شؤون شعبه ومصلحة كنيسته. ببات مسلما به بان لا احد باستثناء مار شمعون الثاني المعروف باسم بار صباعي الذي عمل واستشهد في عهد شابور المجوسي، في القرن الرابع، بان لا رجل اعظم من مار بنيامين شغل منصب بطريرك كنيسة المشرق.  فقد تجلت فيه اروع شخصية اسبغت عليه الجلل والمحبة في نفس الوقت، وجاذبيته العظيمة دفعت كل فئات شعبه على توقيره والولاء له. ومن تلك الفئات من كان متروكا سائبا واتبع مذاهب دينية اخرى. واصبحت شخصيته المركز الذي يلتف حوله الاشوريون، في حالات الطوارئ وفي المسعى من اجل الاماني القومية. هل كان من الممكن ان تتجنبه رصاصة الاغتيال وان يحقق الحلفاء وعودهم لكان من المنطقي والبديهي وبرضى كل جماهير شعبنا ان يعلن ملكا او اول رئيسا للوطن القومي الاشوري.   

لقد اتسم كل الرجال العظام بالتواضع والحلم وكذلك كان بطريرك المشرق. الجنرالات الروس قدموا له اجلال  الملوك والاطفال الصغار كانوا يعدون نحوه كما الاب الحنون. لقد حاز على اعجاب دوق روسيا الاعظم (عم الملك) الذي شعر في حضرة زائره بانه في حظور ملكا متوجا جعل من نفسه رمزا ومثالا بسبب الرعاية التي كان يوليها لافقر الناس وابسطهم. لقد ركب العربة الملكية وتلقى الاستقبال الملكي الذ كان يُقدم للقيصر عندما زار تفليس وعندما رأى شعبه المتعب نازحا ترجل عن حصانه وسار على قدميه مقدما الحصان ليركبه واحدا من المتعبين. يعتبر مار بنيامين من الشباب الاكثر بهاءا وجمالا في الشعب الاشوري، زيادة على ذلك فان ملامحه الوسيمة كانت تخفي خلفها روعة شخصيته. الابتسامة الدائمة على وجهه كانت تشع بما في نفسه من نور و اشراق. كمسيحي مخلص كان يرعى ويحكم ويزجر بروح ابوية مليئة بالحنان والرحمة. بلا شك انها شخصيته العذبة الساحرة التي حببته الى قلوب جميع طوائف وطبقات الشعب الاشوري. الكاثوليك والبروتستانت كانوا يوقرونه بحب وتبجيل لنبله وشهامته وميزاته المؤثرة، مما حدا بهم للاقرار بقيادته.

لقد اظهر عقلا منفتحا مع قيادة منضبطة استطاعت ان تصون الكنيسة التي حافظت على نفسها لقرون من تغلغل الارساليات التبشيرية، وبروح ديمقراطية متسامحة استطاع ان يرفع الحواجز وان يسمح بحرية التفكير والايمان لشعبه.  مع رغبة شديدة في قلبه للتثقيف والتنوير وبشهامة ساعد على ازالة العوائق عن طريق الارساليات المختلفة. من التقاليد القديمة في كنيسة المشرق اختيار الاساقفة من الرجال  الاكفاء المناسبين من الاديرة والمدارس اللاهوتية، لكن بعد الفتح الاسلامي الذي دمر الاديرة والمدارس، وبعد انسحاب الاشوريين الى الجبال المنيعة من اجل حماية انفسهم، كان لابد لهذا التقليد القديم ان يتوقف من اجل صيانة النظام الكنسي واستمراره، كان على الاسقفة ان يختاروا خلفهم من نسبهم، ويكرسوهم للمسئوليات المقدسة منذ طفولتهم. فقام مار بنيامين بوضع نظام جديد لانتخاب افضل الرجال الاكفاء للمسئوليات الاسقفية بغض النظر عن المنزلة الاجتماعية او الانتماء العشائري. وفي عهده البطريركي منع اي من ابناء اخوته من تكريس نفسه لخلافته مبديا رغبته في ان يتولى المنصب البطريركي في كنيسة المشرق شخص تختاره الكنيسة ويوافق عليه الشعب.

على الرغم من صغر سنه فقد برع كل القادة في شعبه بالحكمة وفن الحكم. وكان كامل الادراك والوعي الا انه لم يتخل يوما من الايام من استشارة من هم دونه مستعدا لتقبل النصيحة من الاخرين.  وكان خاليا من الغرور، مثالا حيا على نكران الذات ودليلا على خدمة الاخرين والتضحية. وكان مؤمنا بلا حدود بانصاف ورقي شعبه اكثر مما كان يفكر بنفسه. وكان بطبيعته حساسا من الاطراء بينما اعظم الرجال يستسلمون لاغراءات التمجيد، لكن مار بنيامين كان دائما طاهرا وعفيفا لا تشوبه شائبة.    

حبه للانسانية جعلت قلبه طريا حتى تجاه اعداءه. نصيحته الدائمة للجنود والضباط كانت بضبط انفسهم والتصرف كمسيحيين. وعدم الرد على العدوان بالعدوان. وفي دوامة الحرب العظمى المخيفة لم ينس ابدا الممارسمة الحقيقية للدين المسيحي المتسامي والمتشامخ على كل الاديان الاخرى. المحبة المفرطة في قلبه جعلته يصدق كل الرجال وكانت سرعة التصديق هذه السبب في اغتياله وموته.  

هكذا البطريرك العظيم كأسلافه ضحى بحياته على مذبح ايمانه المسيحي ومن اجل شعبه المبتلي. مار شمعون بار صباعي كأول مار شمعون في كنيسة المشرق تقبل اكليل الشهادة على يد الفرس المجوس الذين اقسموا بان يمحوا المسيحية من امبراطوريتهم. في الجمعة الاخيرة من شهر اذار في عام 340 في المقاطعة الجنوبية من فارس. وفي العام السادس عشر من عهد مار بنيامين شمعون البطريركي وهو يحمل نفس الاسم شرب نفس الكأس ولكن هذه المرة كانت من تحضير مسلمي فارس والذين اقسموا نفس اليمين بابادة اتباع نفس الايمان في البلاد في السبت الاول من اذار عام 1918 في المقاطعة الشمالية من فارس. ان طرق الرب صحيحة وان صعب علينا فهمها، فان الشعب الشرير ما زال باقيا كالضلع السليم في جسد المارد المتوحش الاسلام بينما الشعب المسيحي قدم عددا لا يحصى من الشهداء بالكاد يستطيع المحافظة على وجوده القومي. هناك حل واحد فقط لا غير. ليست الممتلكات الزمنية هي المقياس بل القوى الابدية للخلاص المتجمعة والمستعدة للمجد، وبالتاكيد ليس باليوم البعيد الذي ياتي  المالك الشرعي للارض متجسدا مع قديسيه ليتحدى سلطان الشيطان يقيد (يربط وثاق) عدو الله والانسان ويحول الفردوس المفقود الى الفردوس المكتسب.  

بعد شهرين من وفاة مار بنيامين، وقع اختيار الكنيسة على شقيقه مار بولس ليتوج خلفا للبطريرك الراحل. رسامة مار بولس شمعون للمنصب البطريركي تمت بحضور حشد كبير في كنيسة السيدة مريم العذراء في مدينة اورمية في الخامس عشر من شهر نيسان عام 1918. هكذا اورمية كـ بابل الاسلام شهدت ولاول مرة في تاريخها رسامة خليفة للرجل الذي أُغتيل غدرا وعدوانا.!

لقد كانت من عادة البطريرك ان يتفقد شعبه باستمرار لكن توقع حدوث مشاكل في اورمية جعلته يطيل فترة بقاءه هناك. لقد اُجبر العدو على توقيع معاهدة سلام بالشروط الاشورية، اجرى مار شمعون استعداداته للانتقال الى سلامس ليكون وسط شعبه النازح هناك. اخبار رغبته بالسفر سبقته بعدة ايام وطرقت مسامع المسئولين في تبريز.

في هذا الوقت كان يقيم في سلامس قاطع طريق سئ الصيت يدعى سمكو، كان الاكثر سطوة وارهابا من المسئولين الايرانيين وكل شيوخ الاكراد في شرق كردستان ( شرق آشور-المترجم) ويعتبر الاقوى بينهم، استطاع بدبلوماسية ان ينتقل من جانب الى آخر فمرة الى جانب الاتراك ومرة الى جانب الفرس. في فترة احتلال الروس لمقاطعة اذربيجان فاجأ سئ الصيت حلفاءه المتطرفين وحارب الى جانب الحلفاء ايضا. في احدى المرات القى الجنود الروس القبض عليه وقادوه الى تفليس كسجين. وقبل انهيار روسيا استطاع ان يحصل على عطف قادة الجيش الروسي ليطلقوا سراحه وليحمل معه كميات كبيرة من السلاح والعتاد واعدا اياهم باستعمال التعزيزات المتوفرة لديه ضد الاتراك. بعد انسحاب كامل القوات الروسية من فارس اصبح سمكو مهيب الجانب ومنذ ايام شاه عباس لم تستطع قوة ان تنافسه في ممارسة صلاحيات واسعة على منطقة الحدود شمال غربي البلاد. فقد تحدى الحكومة الايرانية التي كان احد مواطنيها وكان يعتقد ان بامكانه تحديها متى شاء. اما الحكومة التركية فكان يعتقد ان بامكانه اقناعهم بانه كان مجبرا لخدمة روسيا رغما عن ارادته. شيئا واحدا كان يقلقه ومبعثه الرماة الاشوريون المهرة من تركور. مع انهم كانوا اقل عددا من رجاله لكن المحاربين الاشوريين الجبليين موجودين الان في فارس لذا اصبح مواطنا مسالما وقرر العيش في الجبال بعيدا عن عشه القديم في جبال بردوست و سوماي الموحشة حيث لا قانون الا قانون الغاب. انه الرجل الذي استخدمته السلطات الفارسية كاداة في يدهم لاغتيال مار شمعون. بعد ان قام بجريمته الغادرة واخبروه بان اذا فشلت الحكومة التركية في في التوغل في فارس فيمكنه ان يتسلل الى داخل البلاد ويقيم هناك دون ان يمسه اذى. 

وصل مار شمعون ومرافقيه المئتين من الفرسان الى سلامس خلال الاسبوع الاخير من شباط 1918 حيث استقبله الاشوريون والارمن. حتى المسلمون تنافسوا مع المسيحيون على الترحاب بمقدمه. بعد وصوله بفترة قصيرة زاره مبعوثان من السلطة الايرانية في تبريز. ذكروه برسالته التي كتبها قبل عدة اشهر الى المسئولين في تبريز معبرا عن شعوره الطيب تجاه الحكومة الايرانية مناشدا السماح له ولشعبه الاقامة في ايران كضيوف وقتيين. رسميا ابلغوا البطريرك "الامتنان العميق" الذي خامرالمسئولين الايرانيين من محتويات رسالة قداسته، والان  هؤلاء المسئولين "مسرورين لتقديم المساعدة لهدف انساني" وذلك بفتح ابواب بلادهم ليقدموا للاشوريين المسيحيين ملجأ. لكن المبعوثان اضافا بالنظر لكون المسئولون الايرانيون يرغبون برؤية منطقتهم الحدودية بسلام شامل وهدوء وهم لا يشجعون منذ الان سكان المنطقة من المسلمين باثارة الفتن والمشاكل ضد المسيحيين، وهم يعتقدون بانه من اجل استقرار الامن يجب ازالة المصدر الوحيد الذي يمكن ان يعكر امن البلاد وهو كما ذكره شيوخ الاكراد للمسئولين الايرانيين وبرغية عميقة للوصول الى تفاهم مع الاشوريين بالمقابل يتمنون ان يؤكد قداسته لـ سمكو واتباعه مشاعر الود. 

انها مسافة قصيرة بين دلمان عاصمة سلامس حيث يقيم شقيق مار شمعون وشقيقته ومدينة كونشاهر مكان اقامة سمكو (مقره الجديد). قبل ان تحتفظ المدينة السابقة بموقع العاصمة حيث حظيت بالمركزين التجاري والاداري الحكومي.  لهذا السبب فان البلدة القديمة ما زالت تحمل اسم "المدينة القديمة" كونشهر تضم جالية ارمنية كبيرة. لقد كان موقعا موفقا لتدبير مؤامرة اغتيال مار شمعون. والان هناك مصير مشترك مع الاشوريين فاما الفناء واما البقاء مع شركائهم في الدين المسيحي.  خفية كشفوا للبطريرك مؤامرة المسلمين وناشدوه عدم الذهاب للقاء سمكو الا اذا حضر الاخير الى "دلمان" للقاءه. من وجهة نظر قواعد التشريفات السياسية (اصول آداب الضيافة) فان مقر سمكو الذي دعا اليه البطريرك يعتبر الانسب. لكن الاخير كان متلهفا للسلام  لمنع اراقة الدماء وصيانة السلام مع جيرانه المسلمين وراغبا اكثر من اي وقت مضى في اظهار سلوكه المسيحي.  وبتواضع اعلن قراره زيارة سمكو في مقره. لا تحذير الارمن ولا دموع اقاربه استطاعت اقناعه بتغيير قراره.  فبقدر ما كان شجاعا وجسورا كان حليما ومتواضعا. اما بالنسبة للمسلمين  فكانوا على معرفة بالخطة وكانوا يراقبون الطريق باهتمام شيطاني فاما ان ينهي سمكو المؤامرة بالتفاهم مع القائد الاعلى للمسيحيين او ان يساق البطريرك المسيحي بسبب  ايمانه المسيحي السامي كالحمل الوديع الى المذبح. في تلك اللحظة عميت ابصار المسئولين في تبريز عن رؤية الصراع الهائل بين الجيوش العظمى في اوربا ونتيجته التي ستكون اما سيادة او انهيار الاسلام في آسيا، وعن قصد غضوا نظرهم عن المشهد الذي ستقع فيه الجريمة البشعة التي خططوا لها. 

في اليوم الثالث من آذار ركب البطريرك عربته برفقة 150 فارسا تحركوا باتجاه مقر  الشيخ الكردي. لقد اراد قداسته ان يطمئن قاطع الطريق الى نية الاشوريين في السلام ويدلل على ان الرغبة في العنف ومخالفة القانون غير موجودة. ولكن المواقف النبيلة والشجاعة لهذا البطريرك العظيم لم يكن هناك ما يقابلها، بل كانت كمن يطعم كلبا او يرصع خنزيرا بالآلى.  

اخبار مغادرة مار شمعون سبقته، وقبل وصوله قام المجرم الكبير وهو غير مصدق بوضع سبعمائة من خيرة الرماة من رجاله في مواقع حساسة مع اوامر بالرمي الفوري باتجاه عربة البطريرك عندما يغادرمنزل الشيخ بعد انتهاء الزيارة. لا خادم رحب بسيده باحترام وتبجيل كما فعل سمكو مع البطريرك ورافقه الى الداخل. حيث صاحبه اثنان من مرافقيه وبقي الاخرون في الخارج، ان الغياب الواضح للاكراد من مشارف ديوان الشيخ زاد من حذر الاشوريين.  اثناء هذا اللقاء الودي بين البطريرك والشيخ الكردي قام احد الرجال المرافقين لـ مار شمعون في الداخل ليينظر من الشباك فلاحظ وجود اكراد مختفين فوق السطوح المجاورة. ادراكا لخطورة الوضع فقد همس للبطريرك بالاشورية " ان نهايتنا محتومة يا سيدي فدعني اقتل هذا الرجل (سمكو) لاثأر لدماءنا التي ستراق بالتاكيد" رد البطريرك بابتسامة الشك طالبا من المرافق ان يهدئ. لكن المرافق الاشوري كرر "سيدي سيقتلونا بلا ريب، دعني اقتله فلربما استطعنا انقاذ حياتك" منعه البطريرك مرة آخرى.  ثم وقف مغادرا برفقة سمكو الى الباب، صافح الاخير يد ضبفه وعاد الى البيت. وبينما مار شمعون يركب عربته  محاط بمرافقيه، بدأ السبعمائة كردي باطلاق النار كلهم في نفس الوقت على الضحايا الآمنين. سته رجال منهم فقط نجوا ليرووا المأساة ويقصوا ما حدث للبطريرك المغدور به.  

في ختام الخطاب التاريخي قرر قداسته ان تراعى ذكرى مار بنيامين شمعون السنوية في كنيسة المشرق في كل مكان من العالم في الاحد الذي يسبق احد الصوم الكبير.  

 ********************************

 

 

 

 

 

 

تغيير: 09.15.2015

 جميع المواضيع تعبر عن آراء كتابها وليست بالضرورة رأي الموسوعة